تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
فالتنكير في قوله
مَنْسَكاً
للإفراد ، أي واحدا لا متعددا ، ومحلّ الفائدة هو إسناد الجعل إلى ضمير الجلالة . وقد دل على ذلك قوله :
لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
وأدلّ عليه التفريع بقوله
فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
. والكلام يفيد الاقتداء ببقيّة الأمم أهل الأديان الحق . و
عَلى
يجوز أن تكون للاستعلاء المجازي متعلقة ب
لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
مع تقدير مضاف بعد
عَلى
تقديره : إهداء ما رزقهم ، أي عند إهداء ما رزقهم ، يعني ونحرها أو ذبحها . ويجوز أن تكون
عَلى
بمعنى : لام التعليل . والمعنى : ليذكروا اسم اللّه لأجل ما رزقهم من بهيمة الأنعام . وقد فرع على هذا الانفراد بالإلهية بقوله :
فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا
أي إذ كان قد جعل لكم منسكا واحدا فقد نبهكم بذلك أنه إله واحد ، ولو كانت آلهة كثيرة لكانت شرائعها مختلفة . وهذا التفريع الأول تمهيد للتفريع الذي عقبه وهو المقصود ، فوقع في النظم تغيير بتقديم وتأخير . وأصل النظم : فلله أسلموا ، لأن إلهكم إله واحد . وتقديم المجرور في
فَلَهُ أَسْلِمُوا
للحصر ، أي أسلموا له لا لغيره . والإسلام : الانقياد التام ، وهو الإخلاص في الطاعة ، أي لا تخلصوا إلا اللّه ، أي فاتركوا جميع المناسك التي أقيمت لغير اللّه فلا تنسكوا إلّا في المنسك الذي جعله لكم ، تعريضا بالرد على المشركين . وقرأ الجمهور
مَنْسَكاً
- بفتح السين - وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف - بكسر السين - ، وهو على القراءتين اسم مكان للنّسك ، وهو الذبح . إلا أنه على قراءة الجمهور جار على القياس لأن قياسه الفتح في اسم المكان إذ هو من نسك ينسك - بضمّ العين - في المضارع . وأما على قراءة الكسر فهو سماعي مثل مسجد من سجد يسجد ، قال أبو عليّ الفارسي : ويشبه أن الكسائي سمعه من العرب .
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 35 )
. اعتراض بين سوق المنن ، والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحاب هذه الصفات هم المسلمون .