تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
العذاب لهم إنما نعدّ لهم عدّا ، وعبر ب
تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ
معدى بحرف الاستعلاء إكراما للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأن نزل منزلة الذي هلاكهم بيده . فنهى عن تعجيله بهلاكهم . وذلك إشارة إلى قبول دعائه عند ربّه ، فلو دعا عليهم بالهلاك لأهلكهم اللّه كيلا يردّ دعوة نبيئه صلى اللّه عليه وسلم لأنه يقال : عجل على فلان بكذا ، أي أسرع بتسليطه عليه ، كما يقال : عجل إليه إذا أسرع بالذهاب إليه كقوله :
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
[ طه : 84 ] ، فاختلاف حروف تعدية فعل عجل ينبئ عن اختلاف المعنى المقصود بالتعجيل . ولعل سبب الاختلاف بين هذه الآية وبين قوله تعالى :
وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ
في سورة الأحقاف [ 35 ] أنّ المراد هنا استعجال الاستئصال والإهلاك وهو مقدّر كونه على يد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلذلك قيل هنا :
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ
، أي انتظر يومهم الموعود ، وهو يوم بدر ، ولذلك عقب بقوله :
إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
، أي ننظرهم ونؤجلهم ، وأنّ العذاب المقصود في سورة الأحقاف هو عذاب الآخرة لوقوعه في خلال الوعيد لهم بعذاب النار لقوله هنالك :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ
[ الأحقاف : 34 ، 35 ] . والعدّ : الحساب . و
إِنَّما
للقصر ، أي ما نحن إلا نعدّ لهم ، وهو قصر موصوف على صفة قصرا إضافيا ، أي نعد لهم ولسنا بناسين لهم كما يظنون ، أو لسنا بتاركيهم من العذاب بل نؤخرهم إلى يوم موعود . وأفادت جملة
إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
تعليل النهي عن التعجيل عليهم لأن
إِنَّما
مركبة من ( إنّ ) و ( ما ) وإنّ تفيد التعليل كما تقدّم غير مرّة . وقد استعمل العدّ مجازا في قصر المدّة لأن الشيء القليل يعدّ ويحسب . وفي هذا إنذار باقتراب استئصالهم . [ 85 - 87 ]

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 85 إلى 87 ]

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ( 86 ) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 87 ) إتمام لإثبات قلة غناء آلهتهم عنهم تبعا لقوله :
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
[ مريم : 82 ] .