تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
والضد : اسم مصدر ، وهو خلاف الشيء في الماهية أو المعاملة . ومن الثاني تسمية العدو ضدّا . ولكونه في معنى المصدر لزم في حال الوصف به حالة واحدة بحيث لا يطابق موصوفه . [ 83 - 84 ]

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 83 إلى 84 ]

أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 84 ) استئناف بياني لجواب سؤال يجيش في نفس الرسول صلى اللّه عليه وسلم من إيغال الكافرين في الضلال جماعتهم وآحادهم ، وما جرّه إليهم من سوء المصير ابتداء من قوله تعالى :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
[ مريم : 66 ] ، وما تخلل ذلك من ذكر إمهال اللّه إياهم في الدنيا ، وما أعد لهم من العذاب في الآخرة . وهي معترضة بين جملة
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً
[ مريم : 81 ] وجملة
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ
[ مريم : 85 ] . وأيضا هي كالتذييل لتلك الآيات والتقرير لمضمونها لأنها تستخلص أحوالهم ، وتتضمن تسلية الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن إمهالهم وعدم تعجيل عقابهم . والاستفهام في
أَ لَمْ تَرَ
تعجيبي ، ومثله شائع في كلام العرب يجعلون الاستفهام على نفي فعل . والمراد حصول ضده بحثّ المخاطب على الاهتمام بتحصيله ، أي كيف لم تر ذلك ، ونزّل إرسال الشياطين على الكافرين لاتضاح آثاره منزلة الشيء المرثي المشاهد ، فوقع التعجيب من مرآه بقوله : ألم تر ذلك . والأزّ : الهزّ والاستفزاز الباطني ، مأخوذ من أزيز القدر إذا اشتد غليانها . شبه اضطراب اعتقادهم وتناقض أقوالهم واختلاق أكاذيبهم بالغليان في صعود وانخفاض وفرقعة وسكون ، فهو استعارة فتأكيده بالمصدر ترشيح . وإرسال الشياطين عليهم تسخيرهم لها وعدم انتفاعهم بالإرشاد النّبوي المنقد من حبائلها ، وذلك لكفرهم وإعراضهم عن استماع مواعظ الوحي . وللإشارة إلى هذا المعنى عدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله
عَلَى الْكافِرِينَ
. وجعل
تَؤُزُّهُمْ
حالا مقيّدا للإرسال لأنّ الشياطين مرسلة على جميع الناس ولكن اللّه يحفظ المؤمنين من كيد الشياطين على حسب قوّة الإيمان وصلاح العمل ، قال تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
[ الحجر : 42 ] . وفرع على هذا الاستئناف وهذه التسلية قوله :
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ
أي فلا تستعجل