تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
إلى الذين أشركوا لأنّ الكلام جرى على بعض منهم . والاتخاذ : جعل الشخص الشيء لنفسه ، فجعل الاتخاذ هنا الاعتقاد والعبادة . وفي فعل الاتخاذ إيماء إلى أن عقيدتهم في تلك الآلهة شيء مصطلح عليه مختلق لم يأمر اللّه به كما قال تعالى عن إبراهيم :
قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ
[ الصافات : 95 ] . وفي قوله
مِنْ دُونِ اللَّهِ
إيماء إلى أن الحق يقتضي أن يتّخذوا اللّه إلها ، إذ بذلك تقرّر الاعتقاد الحق من مبدأ الخليقة ، وعليه دلّت العقول الراجحة . ومعنى
لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا
ليكونوا معزّين لهم ، أي ناصرين ، فأخبر عن الآلهة بالمصدر لتصوير اعتقاد المشركين في آلهتهم أنّهم نفس العزّ ، أي إن مجرد الانتماء لها يكسبهم عزّا . وأجرى على الآلهة ضمير العاقل لأنّ المشركين الذين اتخذوهم توهموهم عقلاء مدبرين . والضميران في قوله :
سَيَكْفُرُونَ
و
يَكُونُونَ
يجوز أن يكونا عائدين إلى آلهة ، أي سينكر الآلهة عبادة المشركين إيّاهم ، فعبر عن الجحود والإنكار بالكفر ، وستكون الآلهة ذلّا ضد العزّ . والأظهر أن ضمير
سَيَكْفُرُونَ
عائد إلى المشركين ، أي سيكفر المشركون بعبادة الآلهة فيكون مقابل قوله
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً
. وفيه تمام المقابلة ، أي بعد أن تكلفوا جعلهم آلهة لهم سيكفرون بعبادتهم ، فالتعبير بفعل
سَيَكْفُرُونَ
يرجح هذا الحمل لأن الكفر شائع في الإنكار الاعتقادي لا في مطلق الجحود ، وأن ضمير
يَكُونُونَ
للآلهة وفيه تشتيت الضمائر . ولا ضير في ذلك إذ كان السياق يرجع كلا إلى ما يناسبه ، كقول عباس بن مرداس :
عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا
أي : وأحرز جمع المشركين ما جمّعه المسلمون من الغنائم . ويجوز أن يكون ضميرا
سَيَكْفُرُونَ
و
يَكُونُونَ
راجعين إلى المشركين . وأن حرف الاستقبال للحصول قريبا ، أي سيكفر المشركون بعبادة الأصنام ويدخلون في الإسلام ويكونون ضدا على الأصنام يهدمون هياكلها ويلعنونها ، فهو بشارة للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأن دينه سيظهر على دين الكفر . وفي هذه المقابلة طباق مرتين .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 80 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور