تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
فانتصب
لِزاماً
على أنه خبر ( كان ) ، واسمها ضمير راجع إلى الإهلاك المستفاد من
كَمْ أَهْلَكْنا
[ 128 ] ، أي لكان الإهلاك الذي أهلك مثله من قبلهم من القرون ، وهو الاستيصال ، لازما لهم .
وَأَجَلٌ مُسَمًّى
عطف على
كَلِمَةٌ
والتقدير : ولولا كلمة وأجل مسمّى يقع عنده الهلاك لكان إهلاكهم لزاما . والمراد بالأجل : ما سيكشف لهم من حلول العذاب : إما في الدنيا بأن حل برجال منهم وهو عذاب البطشة الكبرى يوم بدر ؛ وإما في الآخرة وهو ما سيحل بمن ماتوا كفّارا منهم . وفي معناه قوله تعالى :
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً
[ الفرقان : 77 ] . ويظهر أنه شاع في عصر الصحابة تأويل اسم اللزام أنه عذاب توعد اللّه به مشركي قريش . وقيل : هو عذاب يوم بدر . ففي « صحيح البخاري » عن ابن مسعود قال : « خمس قد مضين : الدخان ، والقمر ، والرّوم ، والبطشة ، واللزام
فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً
» . يريد بذلك إبطال أن يكون اللزام مترقبا في آخر الدنيا . وليس في القرآن ما يحوج إلى تأويل اللزام بهذا كما علمت . وفرع على ذلك أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالصبر على ما يقولون من التكذيب وبالوعيد لتأخير نزوله بهم . والمعنى : فلا تستعجل لهم العذاب واصبر على تكذيبهم ونحوه الشامل له الموصول في قوله
ما يَقُولُونَ
. وأمره بأن يقبل على مزاولة تزكية نفسه وتزكية أهله بالصلاة ، والإعراض عما متع اللّه الكفّار برفاهية العيش ، ووعده بأن العاقبة للمتقين . فالتسبيح هنا مستعمل في الصلاة لاشتمالها على تسبيح اللّه وتنزيهه . والباء في قوله
بِحَمْدِ رَبِّكَ
للملابسة ، وهي ملابسة الفاعل لفعله ، أي سبّح حامدا ربّك ، فموقع المجرور موقع الحال . والأوقات المذكورة هي أوقات الصلوات ، وهي وقت الصبح قبل طلوع الشمس ، ووقتان قبل غروبها وهما الظهر والعصر ، وقيل المراد صلاة العصر . وأما الظهر فهي قوله :
وَأَطْرافَ النَّهارِ
كما سيأتي . و
مِنْ
في قوله
مِنْ آناءِ اللَّيْلِ
ابتدائية متعلّقة بفعل ( فسبح ) . وذلك وقتا المغرب والعشاء . وهذا كله من المجمل الذي بيّنته السنّة المتواترة .