تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
والفتنة : اضطراب النفس وتبلبل البال من خوف أو توقع أو التواء الأمور ، وكانوا لا يخلون من ذلك ، فلشركهم يقذف اللّه في قلوبهم الغم والتوقع ، وفتنتهم في الآخرة ظاهرة . فالظرفية هنا كالتي في قول سبرة بن عمرو الفقعسي :
نحابي بها أكفاءنا ونهينها * ونشرب في أثمانها ونقامر
وقوله تعالى :
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
في سورة النساء [ 5 ] . وجملة
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى
تذييل ، لأن قوله
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
إلى آخره يفيد أن ما يبدو للناظر من حسن شارتهم مشوب ومبطّن بفتنة في النفس وشقاء في العيش وعقاب عليه في الآخرة ، فذيل بأن الرزق الميسّر من اللّه للمؤمنين خير من ذلك وأبقى في الدنيا ومنفعته باقية في الآخرة لما يقارنه في الدنيا من الشكر . فإضافة
رِزْقُ رَبِّكَ
إضافة تشريف ، وإلا فإن الرزق كلّه من اللّه ، ولكن رزق الكافرين لما خالطه وحف به حال أصحابه من غضب اللّه عليهم ، ولما فيه من التبعة على أصحابه في الدنيا والآخرة لكفرانهم النعمة جعل كالمنكور انتسابه إلى اللّه ، وجعل رزق اللّه هو السالم من ملابسة الكفران ومن تبعات ذلك . و
خَيْرٌ
تفضيل ، والخيرية حقيقة اعتبارية تختلف باختلاف نواحيها . فمنها : خير لصاحبه في العاجل شرّ عليه في الآجل ، ومنها خير مشوب بشرور وفتن ، وخير صاف من ذلك ، ومنها ملائم ملاءمة قوية ، وخير ملائم ملاءمة ضعيفة ، فالتفضيل باعتبار توفر السلامة من العواقب السيّئة والفتن كالمقرون بالقناعة ، فتفضيل الخيرية جاء مجملا يظهر بالتدبر .
وَأَبْقى
تفضيل على ما متّع به الكافرون لأنّ في رزق الكافرين بقاء ، وهو أيضا يظهر بقاؤه بالتدبّر فيما يحف به وعواقبه . [ 132 ]

[ سورة طه ( 20 ) : آية 132 ]

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ( 132 ) ذكر الأهل هنا مقابل لذكر الأزواج في قوله
إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ
[ طه : 131 ] فإن من أهل الرجل أزواجه ، أي متعتك ومتعة أهلك الصلاة فلا تلفتوا إلى زخارف الدنيا . وأهل الرجل يكونون أمثل من ينتمون إليه .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 207 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور