تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
فنسيتها وعميت عنها فكذلك اليوم تنسى وتحشر أعمى . والنسيان في الموضعين مستعمل كناية أو استعارة في الحرمان من حظوظ الرحمة . وجملة
وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ
إلخ تذييل ، يجوز أن تكون من حكاية ما يخاطب اللّه به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها التوبيخ له والتنكيل ، فالواو عاطفة الجملة على التي قبلها . ويجوز أن تكون تذييلا للقصّة وليست من الخطاب المخاطب به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها موعظة السامعين ليحذروا من أن يصيروا إلى مثل ذلك المصير . فالواو اعتراضية لأن التذييل اعتراض في آخر الكلام ، والواو الاعتراضية راجعة إلى الواو العاطفة إلّا أنها عاطفة مجموع كلام على مجموع كلام آخر لا على بعض الكلام المعطوف عليه . والمعنى : ومثل ذلك الجزاء نجزي من أسرف ، أي كفر ولم يؤمن بآيات ربّه . فالإسراف : الاعتقاد الضال وعدم الإيمان بالآيات ومكابرتها وتكذيبهما . والمشار إليه بقوله
وَكَذلِكَ
هو مضمون قوله
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
، أي وكذلك نجزي في الدنيا الذين أسرفوا ولم يؤمنوا بالآيات . وأعقبه بقوله
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى
، وهذا يجوز أن يكون تذييلا للقصة وليس من حكاية خطاب اللّه للذي حشره يوم القيامة أعمى . فالمراد بعذاب الآخرة مقابل عذاب الدنيا المفاد من قوله
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
الآية ، والواو اعتراضية . ويجوز أن تكون الجملة من حكاية خطاب اللّه للذي يحشره أعمى ، فالمراد بعذاب الآخرة العذاب الذي وقع فيه المخاطب ، أي أشد من عذاب الدنيا وأبقى منه لأنّه أطول مدة . [ 128 ]

[ سورة طه ( 20 ) : آية 128 ]

أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 128 ) تفريع على الوعيد المتقدم في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ
[ طه : 127 ] . جعل الاستفهام الإنكاري التعجيبي مفرعا على الإخبار بالجزاء بالمعيشة الضنك لمن أعرض عن توحيد اللّه لأنه سبب عليه لا محالة ، تعجيبا من حال غفلة المخاطبين المشركين عما حلّ بالأمم المماثلة لهم في الإشراك والإعراض عن كتب