تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
اللّه وآيات الرسل . فضمائر جمع الغائبين عائدة إلى معروف من مقام التعريض بالتحذير والإنذار بقرينة قوله
يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
، فإنه لا يصلح إلا أن يكون حالا لقوم أحياء يومئذ . والهداية هنا مستعارة للإرشاد إلى الأمور العقلية بتنزيل العقلي منزلة الحسيّ ، فيؤول معناها إلى معنى التبيين ، ولذلك عدي فعلها باللّام ، كما في قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها
في سورة الأعراف [ 100 ] . وجملة
كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ
معلّقة فعل
يَهْدِ
عن العمل في المفعول لوجود اسم الاستفهام بعدها ، أي ألم يرشدهم إلى جواب
كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ
أي كثرة إهلاكنا القرون . وفاعل
يَهْدِ
ضمير دل عليه السياق وهو ضمير الجلالة ، والمعنى : أفلم يهد اللّه لهم جواب
كَمْ أَهْلَكْنا
. ويجوز أن يكون الفاعل مضمون جملة
كَمْ أَهْلَكْنا
. والمعنى : أفلم يبيّن لهم هذا السؤال ، على أن مفعول
يَهْدِ
محذوف تنزيلا للفعل منزلة اللازم ، أي يحصل لهم التبيين . وجملة
يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
حال من الضمير المجرور باللّام ، لأنّ عدم التبيين في تلك الحالة أشد غرابة وأحرى بالتعجيب . والمراد بالقرون : عاد وثمود . فقد كان العرب يمرون بمساكن عاد في رحلاتهم إلى اليمن ونجران وما جاورها ، وبمساكن ثمود في رحلاتهم إلى الشام . وقد مرّ النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون بديار ثمود في مسيرهم إلى تبوك . وجملة
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
في موضع التعليل للإنكار والتعجيب من حال غفلتهم عن هلاك تلك القرون . فحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وللإيذان بالتعليل . والنهى - بضم النون - والقصر جمع نهية - بضم النون وسكون الهاء - : اسم العقل . وقد يستعمل النهى مفردا بمعنى العقل . وفي هذا تعريض بالذين لم يهتدوا بتلك الآيات بأنهم عديمو العقول ، كقوله
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[ الفرقان : 44 ] . [ 129 - 130 ]

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 129 إلى 130 ]

وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 ) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ( 130 )