تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
جملة
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ
عطف على جملة
أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ
[ طه : 128 ] باعتبار ما فيها من التحذير والتهديد والعبرة بالقرون الماضية ، وبأنهم جديرون بأن يحل بهم مثل ما حل بأولئك . فلما كانوا قد غرّتهم أنفسهم بتكذيب الوعيد لما رأوا من تأخر نزول العذاب بهم فكانوا يقولون
مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ سبأ : 29 ] عقب وعيدهم بالتنبيه على ما يزيل غرورهم بأن سبب التأخير كلمة سبقت من اللّه بذلك لحكم يعلمها . وهذا في معنى قوله
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ
[ سبأ : 29 ، 30 ] . والكلمة : مستعملة هنا فيما شأنه أن تدل عليه الكلمات اللفظية من المعاني ، وهو المسمى عند الأشاعرة بالكلام النفسي الراجع إلى علم اللّه تعالى بما سيبرزه للناس من أمر التكوين أو أمر التشريع ، أو الوعظ . وتقدّم قوله تعالى :
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ *
في سورة هود [ 110 ] . فالكلمة هنا مراد بها : ما علمه اللّه من تأجيل حلول العذاب بهم ، فاللّه تعالى بحكمته انظر قريشا فلم يعجل لهم العذاب لأنه أراد أن ينشر الإسلام بمن يؤمن منهم وبذريّاتهم . وفي ذلك كرامة للنبي محمد صلى اللّه عليه وسلم بتيسير أسباب بقاء شرعه وانتشاره لأنه الشريعة الخاتمة . وخصّ اللّه منهم بعذاب السيف والأسر من كانوا أشداء في التكذيب والإعراض حكمة منه تعالى ، كما قال :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ الأنفال : 33 - 34 ] . واللزام - بكسر اللام - : مصدر لازم : كالخصام ، استعمل مصدرا لفعل لزم الثاني لقصد المبالغة في قوة المعنى كأنه حاصل من عدة ناس . ويجوز أن يكون وزن فعال بمعنى فاعل ، مثل لزاز في قول لبيد : منا لزاز كريهة جذّامها وسداد في قول العرجي :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر
أي : لكان الإهلاك الشديد لازما لهم .