تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
فيه نفعهم أو دفع ضر عنهم مثل ضر عدوّ أو مرض . فهم قد شاهدوا عدم غنائه عنهم ، ولأن شواهد حاله من عدم التحرك شاهدة بأنه عاجز عن أن ينفع أو يضر ، فلذلك سلط الإنكار على عدم الرؤية لأنّ حاله مما يرى . ولام
لَهُمْ
متعلّق ب
يَمْلِكُ
الذي هو في معنى يستطيع كما تقدّم في قوله تعالى :
قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
في سورة العقود . [ 76 ] . وقدم الضرّ على النفع قطعا لعذرهم في اعتقاد إلهيته ، لأن عذر الخائف من الضرّ أقوى من عذر الراغب في النفع . و ( أن ) في قوله
أَلَّا يَرْجِعُ
مخفّفة من ( أنّ ) المفتوحة المشددة واسمها ضمير شأن محذوف ، والجملة المذكورة بعدها هي الخبر ، ف
يَرْجِعُ
مرفوع باتفاق القراءات ما عدا قراءات شاذة . وليست ( أن ) مصدرية لأن ( أن ) المصدرية لا تقع بعد أفعال العلم ولا بعد أفعال الإدراك . [ 90 - 91 ]

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 90 إلى 91 ]

وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ( 90 ) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ( 91 ) الجملة في موضع الحال من ضمير
أَ فَلا يَرَوْنَ
[ طه : 89 ] على كلا الاحتمالين ، أي كيف لا يستدلّون على عدم استحقاق العجل الإلهيّة ، بأنه لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرّا ولا نفعا فيقلعون عن عبادة العجل ، وتلك دلالة عقلية ، في حال أنّ هارون قد وعظهم ونبههم إلى ذلك إذ ذكّرهم بأنه فتنة فتنهم بها السامريّ ، وأن ربّهم هو الرحمن لا ما لا يملك لهم نفعا فضلا عن الرحمة ، وأمرهم بأن يتبعوا أمره ، وتلك دلالة سمعيّة . وتأكيد الخبر بحرف التحقيق ولام القسم لتحقيق إبطال ما في كتاب اليهود من أن هارون هو الذي صنع لهم العجل ، وأنه لم ينكر عليهم عبادته . وغاية الأمر أنه كان يستهزئ بهم في نفسه ، وذلك إفك عظيم في كتابهم . والمضاف إليه ( قبل ) محذوف دل عليه المقام ، أي من قبل أن يرجع إليهم موسى وينكر عليهم . وافتتاح خطابه ب
يا قَوْمِ
تمهيد لمقام النصيحة .