ومعنى
إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ
: ما هو إلّا فتنة لكم وليس ربّا ، وإن ربّكم الرحمن الذي يرحمكم في سائر الأحوال ، فأجابوه بأنّهم لا يزالون عاكفين على عبادته حتى يرجع موسى فيصرّح لهم بأن ذلك العجل ليس هو ربّهم .
ورتب هارون خطابه على حسب الترتيب الطبيعي لأنه ابتدأه بزجرهم عن الباطل وعن عبادة ما ليس برب ، ثمّ دعاهم إلى معرفة الرب الحق ، ثمّ دعاهم إلى اتباع الرسول إذ كان رسولا بينهم ، ثم دعاهم إلى العمل بالشرائع ، فما كان منهم إلّا التصميم على استمرار عبادتهم العجل فأجابوا هارون جوابا جازما .
و
عَلَيْهِ
متعلّق ب
عاكِفِينَ
قدم على متعلقه لتقوية الحكم ، أو أرادوا : لن نبرح نخصه بالعكوف لا نعكف على غيره .
والعكوف : الملازمة بقصد القربة والتعبد ، وكان عبدة الأصنام يلزمونها ويطوفون بها .
[ 92 - 94 ]
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 92 إلى 94 ]
قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ( 93 ) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 )
انتقل موسى من محاورة قومه إلى محاورة أخيه ، فجملة
قالَ يا هارُونُ
تابعة لجملة
قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً
[ طه : 86 ] ، ولجملة
قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا
[ طه : 87 ] وقد وجدت مناسبة لحكاية خطابه هارون بعد أن وقع الفصل بين أجزاء الحكاية بالجمل المعترضة التي منها جملة
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ
[ طه : 90 ] إلخ فهو استطراد في خلال الحكاية للإشعار بعذر هارون كما تقدم . ويحتمل أن تكون عطفا على جملة
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ
إلخ على احتمال كون تلك من حكاية كلام قوم موسى .
علم موسى أن هارون مخصوص من قومه بأنّه لم يعبد العجل ، إذ لا يجوز عليه ذلك لأنّ الرسالة تقتضي العصمة ، فلذلك خصه بخطاب يناسب حاله بعد أن خاطب عموم الأمة بالخطاب الماضي . وهذا خطاب التوبيخ والتهديد على بقائه بين عبدة الصنم .
والاستفهام في قوله
ما مَنَعَكَ
إنكاري ، أي لا مانع لك من اللحاق بي ، لأنه أقامه خليفة عنه فيهم فلما لم يمتثلوا أمره كان عليه أن يرد الخلافة إلى من استخلفه .