تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
فيكون اعتراضا وإخبارا للرسول صلى اللّه عليه وسلم وللأمّة . وموقع الفاء يناكد هذا لأنّ الفاء لا ترد للاستئناف على التحقيق ، فتكون الفاء للتفريع تفريع أخبار على أخبار . والمعنى : فمثل ذلك القذف الذي قذفنا ما بأيدينا من زينة القوم ألقى السامريّ ما بيده من النّار ليذوب ويصوغها فأخرج لهم من ذلك عجلا جسدا . فإنّ فعل ( ألقى ) يحكي حالة مشبهة بحالة قذفهم مصوغ القبط . والقذف والإلقاء مترادفان ، شبه أحدهما بالآخر . والجسد : الجسم ذو الأعضاء سواء كان حيا أم لا ؛ لقوله تعالى :
وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً
[ ص : 34 ] . قيل : هو شق طفل ولدته إحدى نسائه كما ورد في الحديث . قال الزجاج : الجسد هو الذي لا يعقل ولا يميّز إنما هو الجثّة ، أي أخرج لهم صورة عجل مجسّدة بشكله وقوائمه وجوانبه ، وليس مجرد صورة منقوشة على طبق من فضة أو ذهب . وفي سفر الخروج أنّه كان من ذهب . والإخراج : إظهار ما كان محجوبا . والتعبير بالإخراج إشارة إلى أنّه صنعه بحيلة مستورة عنهم حتى أتمّه . والخوار : صوت البقر . وكان الذي صنع لهم العجل عارفا بصناعة الحيل التي كانوا يصنعون بها الأصنام ويجعلون في أجوافها وأعناقها منافذ كالزمارات تخرج منها أصوات إذا أطلقت عندها رياح بالكير ونحوه . وصنع لهم السامريّ صنما على صورة عجل لأنهم كانوا قد اعتادوا في مصر عبادة العجل « ايبيس » ، فلما رأوا ما صاغه السامريّ في صورة معبود عرفوه من قبل ورأوه يزيد عليه بأن له خوارا ، رسخ في أوهامهم الآفنة أن ذلك هو الإله الحقيقي الذي عبّروا عنه بقولهم
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى
، لأنهم رأوه من ذهب أو فضة ، فتوهموا أنّه أفضل من العجل ( إيبيس ) . وإذ قد كانوا يثبتون إلها محجوبا عن الأبصار وكانوا يتطلبون رؤيته ، فقالوا لموسى :
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
[ النساء : 153 ] ، حينئذ توهموا أن هذه ضالتهم المنشودة . وقصة اتخاذهم العجل في كتاب التّوراة غير ملائمة للنظر السليم . وتفريع
فَنَسِيَ
يحتمل أن يكون تفريعا على
فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ
تفريع علة على معلول ، فالضمير عائد إلى السامريّ ، أي قال السامري ذلك لأنه نسي ما كان تلقّاه من هدي ؛ أو تفريع معلول على علّة ، أي قال ذلك ، فكان قوله سببا في نسيانه ما كان عليه من هدي إذ طبع اللّه على قلبه بقوله ذلك فحرمه التوفيق من بعد .