تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
بين القوم وربما اقتتلوا فرأى من المصلحة أن يظهر الرضى عن فعلهم ليهدأ الجمهور ويصبر المؤمنون اقتداء بهارون ، ورأى في سلوك هذه السياسة تحقيقا لقول موسى له
وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
في سورة الأعراف [ 142 ] . وهو الذي أشار إليه هنا بقوله
وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
، فهو من جملة حكاية قول موسى الذي قدره هارون في ظنه . وهذا اجتهاد منه في سياسة الأمة إذ تعارضت عنده مصلحتان مصلحة حفظ العقيدة ومصلحة حفظ الجامعة من الهرج . وفي أثنائها حفظ الأنفس والأموال والأخوة بين الأمّة فرجّح الثانية ، وإنما رجحها لأنه رآها أدوم فإن مصلحة حفظ العقيدة يستدرك فواتها الوقتيّ برجوع موسى وإبطاله عبادة العجل حيث غيوا عكوفهم على العجل برجوع موسى ، بخلاف مصلحة حفظ الأنفس والأموال واجتماع الكلمة إذا انثلمت عسر تداركها . وتضمن هذا قوله
إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
، وكان اجتهاده ذلك مرجوحا لأن حفظ الأصل الأصيل للشريعة أهم من حفظ الأصول المتفرعة عليه ، لأنّ مصلحة صلاح الاعتقاد هي أم المصالح التي بها صلاح الاجتماع ، كما بيناه في كتاب « أصول نظام الاجتماع الإسلامي » . ولذلك لم يكن موسى خافيا عليه أن هارون كان من واجبه أن يتركهم وضلالهم وأن يلتحق بأخيه مع علمه بما يفضي إلى ذلك من الاختلاف بينهم ، فإن حرمة الشريعة بحفظ أصولها وعدم التساهل فيها ، وبحرمة الشريعة يبقى نفوذها في الأمة والعمل بها كما بينته في كتاب « مقاصد الشريعة » . وفي قوله تعالى :
بَيْنَ بَنِي
جناس ، وطرد وعكس . وهذا بعض ما اعتذر به هارون ، وحكي عنه في سورة الأعراف [ 150 ] أنه اعتذر بقوله
إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي
. [ 95 - 96 ]

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 95 إلى 96 ]

قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ( 95 ) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) التفت موسى بتوجيه الخطاب إلى السامريّ الذي كان سببا في إضلال القوم ، فالجملة ناشئة عن قول القوم
فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا
[ طه : 88 ] إلخ ، فهي ابتداء خطاب . ولعل موسى لم يغلظ له القول كما أغلظ لهارون لأنه كان جاهلا بالدّين فلم يكن في ضلاله عجب . ولعل هذا يؤيد ما قيل : إن السامريّ لم يكن من بني إسرائيل ولكنه كان من القبط أو من كرمان فاندسّ في بني إسرائيل . ولما كان موسى