تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
والنسيان : مستعمل في الإضاعة ، كقوله تعالى :
قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها
[ طه : 126 ] وقوله :
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
[ الماعون : 5 ] . وعلى هذا يكون قوله
فَنَسِيَ
من الحكاية لا من المحكي ، والضمير عائد إلى السامريّ فينبغي على هذا أن يتصل بقوله
أَ فَلا يَرَوْنَ
[ طه : 89 ] ويكون اعتراضا . وجعله جمع من المفسرين عائدا إلى موسى ، أي فنسي موسى إلهكم وإلهه ، أي غفل عنه ، وذهب إلى الطور يفتّش عليه وهو بين أيديكم ، وموقع فاء التفريع يبعد هذا التفسير . والنسيان : يكون مستعملا مجازا في الغفلة . [ 89 ]

[ سورة طه ( 20 ) : آية 89 ]

أَ فَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ( 89 ) يجوز أن يكون اعتراضا وليس من حكاية كلام القوم ، فهو معترض بين جملة
فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ
[ طه : 87 ] وجملة
قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ
[ طه : 92 ، 93 ] إلخ ، فتكون الفاء لتفريع كلام متكلم على كلام غيره ، أي لتفريع الإخبار لا لتفريع المخبر به ، والمخبر متعدد . ويجوز أن يكون من حكاية كلام الذين تصدّوا لخطاب موسى - عليه السلام - من بين قومه وهم كبراؤهم وصلحاؤهم ليعلم أنهم على بصيرة من التوحيد . والاستفهام : إنكاري ، نزلوا منزلة من لا يرى العجل لعدم جريهم على موجب البصر ، فأنكر عليهم عدم رؤيتهم ذلك مع ظهوره ، أي كيف يدّعون الإلهية للعجل وهم يرون أنه لا يتكلم ولا يستطيع نفعا ولا ضرا . والرؤية هنا بصرية مكنى بها أو مستعملة في مطلق الإدراك فآلت إلى معنى الاعتقاد والعلم ، ولا سيما بالنسبة لجملة
وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
فإن ذلك لا يرى بالبصر بخلاف
أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا
. ورؤية انتفاء الأمرين مراد بها رؤية أثر انتفائهما بدوام عدم التكلّم وانتفاء عدم نفعهم وضرهم ، لأنّ الإنكار مسلّط على اعتقادهم أنه إلههم فيقتضي أن يملك لهم ضرّا ونفعا . ومعنى
يَرْجِعُ
يردّ ، أي يجيب القول ، لأن ذلك محل العبرة من فقدانه صفات العاقل لأنهم يدعونه ويثنون عليه ويمجدونه وهو ساكت لا يشكر لهم ولا يعدهم باستجابة ، وشأن الكامل إذا سمع ثناء أو تلقّى طلبة أن يجيب . ولا شك أن في ذلك الجمع العظيم من هو بحاجة إلى جلب نفع أو دفع ضرّ ، وأنهم يسألونه ذلك فلم يجدوا ما