تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
الأعراف [ 33 ] . فهذه الآية جمعت أصول الشريعة في الأمر بثلاثة ، والنهي عن ثلاثة ، بل في الأمر بشيئين وتكملة ، والنّهي عن شيئين وتكملة . روى أحمد بن حنبل : أن هذه كانت السبب في تمكّن الإيمان من عثمان بن مظعون ، فإنها لما نزلت كان عثمان بن مظعون بجانب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان حديث الإسلام ، وكان إسلامه حياء من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقرأها النبي عليه . قال عثمان : فذلك حين استقرّ الإيمان في قلبي . وعن عثمان بن أبي العاص : كنت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالسا إذ شخص بصره ، فقال : أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
الآية اه . وهذا يقتضي أن هذه الآية لم تنزل متّصلة بالآيات التي قبلها فكان وضعها في هذا الموضع صالحا لأن يكون بيانا لآية
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[ سورة النحل : 89 ] إلخ ، ولأن تكون مقدّمة لما بعدها
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ
[ سورة النحل : 91 ] الآية . وعن ابن مسعود : أن هذه الآية أجمع آية في القرآن . وعن قتادة : ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر اللّه به في هذه الآية ، وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى اللّه عنه وقدح فيه ، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها . وروى ابن ماجة عن عليّ قال : أمر اللّه نبيئه أن يعرض نفسه على قبائل العرب ، فخرج ، فوقف على مجلس قوم من شيبان بن ثعلبة في الموسم . فدعاهم إلى الإسلام وأن ينصروه ، فقال مفروق بن عمرو منهم : إلام تدعونا أخا قريش ، فتلا عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
الآية . فقال : دعوت واللّه إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذّبوك وظاهروا عليك . وقد روي أن الفقرات الشهيرة التي شهد بها الوليد بن المغيرة للقرآن من قوله : « إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وما هو بكلام بشر » قالها عند سماع هذه الآية . وقد اهتدى الخليفة عمر بن عبد العزيز - رحمة اللّه - إلى ما جمعته هذه الآية من معاني الخير فلما استخلف سنة 99 كتب يأمر الخطباء بتلاوة هذه الآية في الخطبة يوم