الجمعة وتجعل تلاوتها عوضا عما كانوا يأتونه في خطبة الجمعة من كلمات سبّ عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - . وفي تلاوة هذه الآية عوضا عن ذلك السبّ دقيقة أنها تقتضي النّهي عن ذلك السبّ إذ هو من الفحشاء والمنكر والبغي .
ولم أقف على تعيين الوقت التي ابتدع فيه هذا السبّ ولكنه لم يكن في خلافة معاوية - رضي اللّه عنه - .
وفي « السيرة الحلبية » أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ألّف كتابا سماه « الشجرة » بيّن فيه أن هذه الآية اشتملت على جميع الأحكام الشرعية في سائر الأبواب الفقهية وسمّاه السبكي في الطبقات « شجرة المعارف » .
وجملة
يَعِظُكُمْ
في موضع الحال من اسم الجلالة .
والوعظ : كلام يقصد منه إبعاد المخاطب به عن الفساد وتحريضه على الصلاح .
وتقدم عند قوله تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ
في سورة النساء [ 63 ] .
والخطاب للمسلمين لأن الموعظة من شأن من هو محتاج للكمال النفساني ، ولذلك قارنها بالرجاء ب
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
.
والتذكر : مراجعة المنسيّ المغفول عنه ، أي رجاء أن تتذكروا ، أي تتذكروا بهذه الموعظة ما اشتملت عليه فإنها جامعة باقية في نفوسكم .
[ 91 ]
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 91 ]
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 91 )
لما أمر اللّه المؤمنين بملاك المصالح ونهاهم عن ملاك المفاسد بما أومأ إليه قوله :
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[ سورة النحل : 90 ] . فكان ذلك مناسبة حسنة لهذا الانتقال الذي هو من أغراض تفنّن القرآن ، وأوضح لهم أنهم قد صاروا إلى كمال وخير بذلك الكتاب المبيّن لكل شيء . لا جرم ذكرهم الوفاء بالعهد الذي عاهدوا اللّه عليه عندما أسلموا ، وهو ما بايعوا عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مما فيه : أن لا يعصوه في معروف . وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يأخذ البيعة على كل من أسلم من وقت ابتداء الإسلام في مكّة .
وتكررت البيعة قبيل الهجرة وبعدها على أمور أخرى ، مثل النّصرة التي بايع عليها الأنصار ليلة العقبة ، ومثل بيعة الحديبية .