تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
. والمعنى : ولا تنقضوا الأيمان بعد حلفها . وليس في الآية إشعار بأن من اليمين ما لا حرج في نقضه ، وهو ما سمّوه يمين اللّغو ، وذلك انزلاق عن مهيع النظم القرآني . ويؤيّد ما فسرناه قوله :
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
الواقع موقع الحال من ضمير
لا تَنْقُضُوا
، أي لا تنقضوا الأيمان في حال جعلكم اللّه كفيلا على أنفسكم إذا أقسمتم باسمه ، فإن مدلول القسم أنه إشهاد اللّه بصدق ما يقوله المقسم : فيأتي باسم اللّه كالإتيان بذات الشاهد . ولذلك سمّي الحلف شهادة في مواضع كثيرة ، كقوله :
فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
[ سورة النور : 6 ] . والمعنى أن هذه الحالة أظهر في استحقاق النّهي عنها . والكفيل : الشاهد والضامن والرقيب على الشيء المراعى لتحقيق الغرض منه . والمعنى : أن القسم باسم اللّه إشهاد للّه وكفالة به . وقد كانوا عند العهد يحلفون ويشهدون الكفلاء بالتنفيذ ، قال الحارث بن حلّزة :
واذكروا حلف ذي المجاز وما ق * دّم فيه العهود والكفلاء
و
عَلَيْكُمْ
متعلّق ب
جَعَلْتُمُ
لا ب
كَفِيلًا
أي أقمتموه على أنفسكم مقام الكفيل ، أي فهو الكفيل والمكفول له من باب قولهم : أنت الخصم والحكم ، وقوله تعالى :
وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ
[ سورة التوبة : 118 ] . وجملة
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
معترضة . وهي خبر مراد منه التحذير من التساهل في التمسّك بالإيمان والإسلام لتذكيرهم أن اللّه يطّلع على ما يفعلونه ، فالتوكيد ب
إِنَّ
للاهتمام بالخبر . وكذلك التأكيد ببناء الجملة بالمسند الفعلي دون أن يقال : إن اللّه عليم ، ولا : قد يعلم اللّه . واختير الفعل المضارع في
يَعْلَمُ
وفي
تَفْعَلُونَ
لدلالته على التجدّد ، أي كلما فعلوا فعلا فاللّه يعلمه . والمقصود من هذه الجمل كلها من قوله :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ
إلى هنا تأكيد الوصاية بحفظ عهد الأيمان . وعدم الارتداد إلى الكفر ، وسدّ مداخل فتنة المشركين إلى نفوس
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 211 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور