تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ذبحتم فأحسنوا الذبحة » . ومن الإحسان أن يجازي المحسن إليه المحسن على إحسانه إذ ليس الجزاء بواجب . فإلى حقيقة الإحسان ترجع أصول وفروع آداب المعاشرة كلها في العائلة والصحبة . والعفو عن الحقوق الواجبة من الإحسان لقوله تعالى :
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
[ سورة آل عمران : 134 ] . وتقدم عند قوله تعالى :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً *
في سورة الأنعام [ 151 ] . وخصّ اللّه بالذّكر من جنس أنواع العدل والإحسان نوعا مهمّا يكثر أن يغفل الناس عنه ويتهاونوا بحقّه أو بفضله ، وهو إيتاء ذي القربى فقد تقرّر في نفوس الناس الاعتناء باجتلاب الأبعد واتّقاء شرّه ، كما تقرّر في نفوسهم الغفلة عن القريب والاطمئنان من جانبه وتعوّد التساهل في حقوقه . ولأجل ذلك كثر أن يأخذوا أموال الأيتام من مواليهم ، قال تعالى :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
[ سورة النساء : 2 ] ، وقال :
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
[ سورة الإسراء : 26 ] ، وقال :
وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ
[ سورة النساء : 127 ] الآية . ولأجل ذلك صرفوا معظم إحسانهم إلى الأبعدين لاجتلاب المحمدة وحسن الذّكر بين الناس . ولم يزل هذا الخلق متفشّيا في الناس حتى في الإسلام إلى الآن ولا يكترثون بالأقربين . وقد كانوا في الجاهلية يقصدون بوصايا أموالهم أصحابهم من وجوه القوم ، ولذلك قال تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
[ سورة البقرة : 180 ] . فخصّ اللّه بالذكر من بين جنس العدل وجنس الإحسان إيتاء المال إلى ذي القربى تنبيها للمؤمنين يومئذ بأن القريب أحقّ بالإنصاف من غيره . وأحقّ بالإحسان من غيره لأنه محل الغفلة ولأن مصلحته أجدى من مصلحة أنواع كثيرة . وهذا راجع إلى تقويم نظام العائلة والقبيلة تهيئة بنفوس الناس إلى أحكام المواريث التي شرعت فيما بعد . وعطف الخاص على العام اهتماما به كثير في الكلام ، فإيتاء ذي القربى ذو حكمين : وجوب لبعضه ، وفضيلة لبعضه ، وذلك قبل فرض الوصية ، ثم فرض المواريث . وذو القربى : هو صاحب القرابة ، أي من المؤتي . وقد تقدّم عند قوله تعالى :
وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
في سورة الأنعام [ 152 ] .