تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
والإيتاء الإعطاء . والمراد إعطاء المال ، قال تعالى :
قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ
[ سورة النمل : 76 ] ، وقال :
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ
[ سورة البقرة : 177 ] . ونهى اللّه عن الفحشاء والمنكر والبغي وهي أصول المفاسد . فأما الفحشاء : فاسم جامع لكل عمل أو قول تستفظعه النفوس لفساده من الآثام التي تفسد نفس المرء : من اعتقاد باطل أو عمل مفسد للخلق ، والتي تضرّ بأفراد الناس بحيث تلقي فيهم الفساد من قتل أو سرقة أو قذف أو غصب مال ، أو تضرّ بحال المجتمع وتدخل عليه الاضطراب من حرابة أو زنا أو تقامر أو شرب خمر . فدخل في الفحشاء كل ما يوجب اختلال المناسب الضروري ، وقد سمّاها اللّه الفواحش . وتقدم ذكر الفحشاء عند قوله تعالى :
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ
في سورة البقرة [ 169 ] ، وقوله :
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ
في سورة الأعراف [ 33 ] وهي مكية . وأما المنكر فهو ما تستنكره النفوس المعتدلة وتكرهه الشريعة من فعل أو قول ، قال تعالى :
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً
[ سورة المجادلة : 2 ] ، وقال :
وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ
[ سورة العنكبوت : 29 ] . والاستنكار مراتب ، منها مرتبة الحرام ، ومنها مرتبة المكروه فإنه منهيّ عنه . وشمل المنكر كل ما يفضي إلى الإخلال بالمناسب الحاجي ، وكذلك ما يعطّل المناسب التحسيني بدون ما يفضي منه إلى ضرّ . وخصّ اللّه بالذّكر نوعا من الفحشاء والمنكر ، وهو البغي اهتماما بالنّهي عنه وسدّا لذريعة وقوعه ، لأن النفوس تنساق إليه بدافع الغضب وتغفل عما يشمله من النهي من عموم الفحشاء بسبب فشوّه بين الناس ؛ وذلك أن العرب كانوا أهل بأس وشجاعة وإباء ، فكانوا يكثر فيهم البغي على الغير إذا لقي المعجب بنفسه من أحد شيئا يكرهه أو معاملة يعدّها هضيمة وتقصيرا في تعظيمه . وبذلك كان يختلط على مريد البغي حسن الذبّ عما يسمّيه الشرف وقبح مجاوزة حدّ الجزاء . فالبغي هو الاعتداء في المعاملة ، إما بدون مقابلة ذنب كالغارة التي كانت وسيلة كسب في الجاهلية ، وإما بمجاوزة الحدّ في مقابلة الذنب كالإفراط في المؤاخذة ، ولذا قال تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ
[ سورة البقرة : 194 ] . وقال :
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
[ سورة الحج : 60 ] . وقد تقدم عند قوله تعالى :
وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
في سورة