تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وليس في قوله :
عَلى هؤُلاءِ
ما يقتضي تخصيص شهادته بكونها شهادة على المتحدّث عنهم من أهل الشرك ، ولكن اقتصر عليهم لأن الكلام جار في تهديدهم وتحذيرهم . و
هؤُلاءِ
إشارة إلى حاضر في الذّهن وهم المشركون الذين أكثر الحديث عليهم . وقد تتبّعت مواقع أمثال اسم الإشارة هذا في القرآن فرأيته يعنى به المشركون من أهل مكّة . وتقدّم بيانه عند قوله تعالى :
وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
في سورة النساء [ 41 ] ، وقوله تعالى :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ
في سورة الأنعام [ 89 ] .
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
. عطف على جملة
وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً
أي أرسلناك شهيدا على المشركين وأنزلنا عليك القرآن لينتفع به المسلمون ، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شهيد على المكذّبين ومرشد للمؤمنين . وهذا تخلّص للشروع في تعداد النّعم على المؤمنين من نعم الإرشاد ونعم الجزاء على الامتثال وبيان بركات هذا الكتاب المنزّل لهم . وتعريف الكتاب للعهد ، وهو القرآن . و
تِبْياناً
مفعول لأجله . والتّبيان مصدر دالّ على المبالغة في المصدرية ، ثم أريد به اسم الفاعل فحصلت مبالغتان ، وهو - بكسر التاء - ، ولا يوجد مصدر بوزن تفعال - بكسر التاء - إلا تبيان بمعنى البيان كما هنا . وتلقاء بمعنى اللّقاء لا بمعنى المكان ، وما سوى ذلك من المصادر الواردة على هذه الزّنة فهي - بفتح التاء - . وأما أسماء الذوات والصفات الواردة على هذه الزنة فهي - بكسر التاء - وهي قليلة ، عدّ منها : تمثال ، وتنبال ، للقصير . وأنهاها ابن مالك في نظم الفوائد « 1 » إلى أربع عشرة كلمة « 2 » . و « كلّ شيء » يفيد العموم ؛ إلا أنه عموم عرفي في دائرة ما لمثله تجيء الأديان والشّرائع : من إصلاح النفوس ، وإكمال الأخلاق ، وتقويم المجتمع المدنيّ ، وتبيّن الحقوق ، وما تتوقّف عليه الدعوة من الاستدلال على الوحدانية ، وصدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما
هامش
( 1 ) منظومة ليست على روي واحد كذا في « كشف الظنون » . ( 2 ) انظرها في تفسير الألوسي .