تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
تكون
إِنْ
مخففة من
إِنْ
المؤكدة وقد أكمل إعمالها ، واللام فارقة بينها وبين النافية ، فيكون الكلام إثباتا لزوال الجبال من مكرهم ، أي هو مكر عظيم لتزول منه الجبال لو كان لها أن تزول ، أي جديرة ، فهو مستعمل في معنى الجدارة والتأهل للزوال لو كانت زائلة . وهذا من المبالغة في حصول أمر شنيع أو شديد في نوعه على نحو قوله تعالى : يكاد
السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
[ سورة مريم : 90 ] . [ 47 ]

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 47 ]

فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) تفريع على جميع ما تقدم من قوله :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
[ إبراهيم : 42 ] . وهذا محل التسلية . والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وتقدم نظيره آنفا عند قوله :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
، لأن تأخير ما وعد اللّه رسوله - عليه الصلاة والسلام - من إنزال العقاب بأعدائه يشبه حال المخلف وعده ، فلذلك نهي عن حسبانه . وأضيف
مُخْلِفَ
إلى مفعوله الثاني وهو
وَعْدِهِ
وإن كان المفعول الأول هو الأصل في التقديم والإضافة إليه لأن الاهتمام بنفي إخلاف الوعد أشد ، فلذلك قدم
وَعْدِهِ
على
رُسُلَهُ
. و
رُسُلَهُ
جمع مراد به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا محالة ، فهو جمع مستعمل في الواحد مجازا . وهذا تثبيت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن اللّه منجز له ما وعده من نصره على الكافرين به . فأما وعده للرسل السابقين فذلك أمر قد تحقق فلا يناسب أن يكون مرادا من ظاهر جمع
رُسُلَهُ
. وجملة
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ
تعليل للنهي عن حسبانه مخلف وعده . والعزة : القدرة . والمعنى : أن موجب إخلاف الوعد منتف عن اللّه تعالى لأن إخلاف الوعد يكون إما عن عجز وإما عن عدم اعتياد الموعود به ، فالعزة تنفي الأول وكونه صاحب انتقام ينفي الثاني . وهذه الجملة تذييل أيضا وبها تمّ الكلام . [ 48 - 51 ]

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 48 إلى 51 ]

يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 49 ) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( 50 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 51 ) استئناف لزيادة الإنذار بيوم الحساب ، لأن في هذا تبيين بعض ما في ذلك اليوم من الأهوال ؛ فلك أن تجعل
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
متعلقا بقوله :
سَرِيعُ الْحِسابِ
قدّم عليه
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 271 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور