تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
وفي القبة قناة إلى خارج . وتوقد النار حول تلك الأخشاب فتصعد الأبخرة منها ويسري ماء البخار في القناة فتصب في إناء آخر موضوع تحت القناة فيتجمع منه ماء أسود يعلوه زبد خاثر أسود . فالماء يعرف بالسائل والزبد يعرف بالبرقي . ويتخذ للتداوي من الجرب للإبل ولغير ذلك مما هو موصوف في كتب الطب وعلم الأقرباذين . وجعلت سرابيلهم من قطران لأنه شديد الحرارة فيؤلم الجلد الواقع هو عليه ، فهو لباسهم قبل دخول النار ابتداء بالعذاب حتى يقعوا في النار - . وجملة
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
مستأنفة ، إما لتحقيق أن ذلك واقع كقوله :
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ
[ سورة الذاريات : 5 ، 6 ] ، وإما استئناف ابتدائي . وأخرت إلى آخر الكلام لتقديم
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
إذا قدر معمولا لها كما ذكرناه آنفا . [ 52 ]

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 52 ]

هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 52 ) الإشارة إلى الكلام السابق في السورة كلها من أين ابتدأته أصبت مراد الإشارة ، والأحسن أن يكون للسورة كلها . والبلاغ اسم مصدر التبليغ ، أي هذا المقدار من القرآن في هذه السورة تبليغ للناس كلهم . واللام في
لِلنَّاسِ
هي المعروفة بلام التبليغ ، وهي التي تدخل على اسم من يسمع قولا أو ما في معناه . وعطف
وَلِيُنْذَرُوا
على
بَلاغٌ
عطف على كلام مقدر يدل عليه لفظ
بَلاغٌ
، إذ ليس في الجملة التي قبله ما يصلح لأن يعطف هذا عليه فإن وجود لام الجر مع وجود واو العطف مانع من جعله عطفا على الخبر ، لأن المجرور إذا وقع خبر عن المبتدا اتصل به مباشرة دون عطف إذ هو بتقدير كائن أو مستقر ، وإنما تعطف الأخبار إذا كانت أوصافا . والتقدير هذا بلاغ للناس ليستيقظوا من غفلتهم ولينذروا به . واللام في
وَلِيُنْذَرُوا
لام كي . وقد تقدم قريب من نظم هذه الآية في قوله تعالى
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها
في سورة الأنعام [ 92 ] .