تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
اللّباس في الحجّ منه واجب ، وهو ما يستر العورة ، وما زاد على ذلك مباح مأذون فيه إبطالا لتحريمه ، وأمّا الأمر بالأكل والشّرب فهو للإباحة إبطالا للتّحريم ، وليس يجب على أحد أكل اللّحم والدّسم . وقوله :
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
تعميم أي لا تخصّوا بعض المساجد بالتّعري مثل المسجد الحرام ومسجد منى ، وقد تقدّم نظيره في قوله :
وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
[ الأعراف : 29 ] . وقد ظهرت مناسبة عطف الأمر بالأكل والشّرب على الأمر بأخذ الزّينة ممّا مضى آنفا . والإسراف تقدّم عند قوله تعالى :
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً
في سورة النّساء [ 6 ] ، وهو تجاوز الحدّ المتعارف في الشّيء أي : ولا تسرفوا في الأكل بكثرة أكل اللّحوم والدّسم لأنّ ذلك يعود بإضرار على البدن وتنشأ منه أمراض معضلة . وقد قيل إنّ هذه الآية جمعت أصول حفظ الصّحة من جانب الغذاء فالنّهي عن السرف نهي إرشاد لا نهي تحريم بقرينة الإباحة اللّاحقة في قوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
- إلى قوله -
وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
[ الأعراف : 32 ] ، ولأنّ مقدار الإسراف لا ينضبط فلا يتعلّق به التّكليف ، ولكن يوكل إلى تدبير النّاس مصالحهم ، وهذا راجع إلى معنى القسط الواقع في قوله سابقا :
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
[ الأعراف : 29 ] فإن ترك السّرف من معنى العدل . وقوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
تذييل ، وتقدّم القول في نظيره في سورة الأنعام . [ 32 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 32 ]

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 ) استئناف معترض بين الخطابات المحكيّة والموجّهة ، وهو موضع إبطال مزاعم أهل الجاهليّة فيما حرّموه من اللّباس والطّعام وهي زيادة تأكيد لإباحة التستر في المساجد ، فابتدئ الكلام السابق بأنّ اللباس نعمة من للّه . وثني بالأمر بإيجاب التستر عند كل مسجد ، وثلث بإنكار أن يوجد تحريم اللباس وافتتاح الجملة ب
قُلْ
دلالة على أنّه كلام مسوق للردّ والإنكار والمحاورة . والاستفهام إنكاري قصد به التّهكّم إذ جعلهم بمنزلة أهل علم يطلب منهم البيان