تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
والإفادة نظير قوله :
قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا
[ الأنعام : 148 ] - وقوله -
نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ الأنعام : 143 ] وقرينة التّهكّم : إضافة الزّينة إلى اسم اللّه ، وتعريفها بأنّها أخرجها اللّه لعباده ، ووصف الرّزق بالطّيبات ، وذلك يقتضي عدم التّحريم ، فالاستفهام يؤول أيضا إلى إنكار تحريمها . ولوضوح انتفاء تحريمها ، وأنّه لا يقوله عاقل ، وأنّ السؤال سؤال عالم لا سؤال طالب علم ، أمر السّائل بأن يجيب بنفسه سؤال نفسه ، فعقب ما هو في صورة السؤال بقوله :
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
على طريقة قوله :
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
في سورة الأنعام [ 12 ] ، - وقوله -
عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ
[ النبأ : 1 ، 2 ] فآل السؤال وجوابه إلى خبرين . وضمير :
هِيَ
عائد إلى الزينة والطّيبات بقطع النّظر عن وصف تحريم من حرّمها ، أي : الزّينة والطّيبات من حيث هي هي حلال للذين آمنوا فمن حرّمها على أنفسهم فقد حرموا أنفسهم . واللّام في :
لِلَّذِينَ آمَنُوا
لام الاختصاص وهو يدلّ على الإباحة ، فالمعنى : ما هي بحرام ولكنّها مباحة للذين آمنوا ، وإنّما حرم المشركون أنفسهم من أصناف منها في الحياة الدّنيا كلّها مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وما في بطونها ، وحرم بعض المشركين أنفسهم من أشياء في أوقات من الحياة الدّنيا ممّا حرّموه على أنفسهم من اللّباس في الطّواف وفي منى ، ومن أكل اللّحوم والودك والسّمن واللّبن ، فكان الفوز للمؤمنين إذ اتّبعوا أمر اللّه بتحليل ذلك كلّه في جميع أوقات الحياة الدّنيا . وقوله :
خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
قرأه نافع ، وحده : برفع خالصة على أنّه خبر ثان عن قوله :
هِيَ
أي : هي لهم في الدّنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة ، وقرأه باقي العشرة : بالنّصب على الحال من المبتدأ أي هي لهم الآن حال كونها خالصة في الآخرة ومعنى القراءتين واحد ، وهو أنّ الزّينة والطّيّبات تكون خالصة للمؤمنين يوم القيامة . والأظهر أنّ الضّمير المستتر في
خالِصَةً
عائد إلى الزّينة والطّيبات الحاصلة في الحياة الدّنيا بعينها ، أي هي خالصة لهم في الآخرة ، ولا شكّ أنّ تلك الزّينة والطّيّبات قد انقرضت في الدّنيا ، فمعنى خلاصها صفاؤها ، وكونه في يوم القيامة : هو أنّ يوم القيامة مظهر صفائها أي خلوصها من التّبعات المنجرّة منها ، وهي تبعات تحريمها ، وتبعات تناول بعضها مع الكفر بالمنعم بها ، فالمؤمنون لمّا تناولوها في الدّنيا تناولوها بإذن ربّهم ،