تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
و
أَوْلِياءَ
حال من
الشَّياطِينَ
وهي حال مقدرة أي خلقناهم مقدرة ولايتهم للّذين لا يؤمنون ، وذلك أنّ اللّه جبل أنواع المخلوقات وأجناسها على طبائع لا تنتقل عنها ، ولا تقدر على التّصرّف بتغييرها : كالافتراس في الأسد ، واللّسع في العقرب ، وخلق للإنسان العقل والفكر فجعله قادرا على اكتساب ما يختار ، ولما كان من جبلة الشّياطين حبّ ما هو فساد ، وكان من قدرة الإنسان وكسبه أنّه قد يتطلّب الأمر العائد بالفساد ، إذا كان له فيه عاجل شهوة أو كان يشبه الأشياء الصّالحة في بادئ النّظرة الحمقاء ، كان الإنسان في هذه الحالة موافقا لطبع الشّياطين ، ومؤتمرا بما تسوله إليه ، ثمّ يغلب كسب الفساد والشرّ على الذين توغّلوا فيه وتدرّجوا إليه ، حتّى صار المالك لإراداتهم ، وتلك مرتبة المشركين ، وتتفاوت مراتب هذه الولاية ، فلا جرم نشأت بينهم وبين الشّياطين ولاية ووفاق لتقارب الدّواعي ، فبذلك انقلبت العداوة التي في الجبلة التي أثبتها قوله :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ
[ الأعراف : 22 ] - وقوله -
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
[ الأعراف : 24 ] فصارت ولاية ومحبّة عند بلوغ ابن آدم آخر دركات الفساد ، وهو الشّرك وما فيه ، فصار هذا جعلا جديدا ناسخا للجعل الذي في قوله :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
كما تقدّمت الإشارة إليه هنالك ، فما في هذه الآية مقيّد للإطلاق الذي في الآية الأخرى تنبيها على أن من حقّ المؤمن أن لا يوالي الشّيطان . والمراد بالذين لا يؤمنون المشركون ، لأنّهم المضادون للمؤمنين في مكّة ، وستجيء زيادة بيان لهذه الآية عند قوله تعالى :
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
في هذه السورة [ 35 ] . [ 28 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 28 ]

وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 28 )
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
معطوف على
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
[ الأعراف : 27 ] فهو من جملة الصّلة ، وفيه إدماج لكشف باطلهم في تعلّلاتهم ومعاذيرهم الفاسدة ، أي للذين لا يقبلون الإيمان ويفعلون الفواحش ويعتذرون عن فعلها بأنّهم اتّبعوا آباءهم وأنّ اللّه أمرهم بذلك ، وهذا خاص بأحوال المشركين المكذّبين ، بقرينة قوله :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
والمقصود من جملتي الصّلة : تفظيع حال دينهم بأنّه ارتكاب فواحش ، وتفظيع حال استدلالهم لها بما لا ينتهض عند أهل العقول . وجاء الشّرط بحرف
إِذا
الذي من شأنه إفادة اليقين بوقوع الشّرط ليشير إلى أنّ هذا حاصل منهم لا محالة .