تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
أجزاء الهيئة المركبة ، وهو أعلى أحوال التمثيل ويقرب من هذا التمثيل قول طرفة :
لعمرك أن الموت ما أخطأ الفتى * لكالطول المرخى وثنياه باليد
وعليه جرى قولهم : مد اللّه لفلان في عمره ، أو في أجله ، أو في حياته والإقصار الإمساك عن الفعل مع قدره الممسك على أن يزيد . و
ثُمَّ
للترتيب الرتبي أي وأعظم من الإمداد لهم في الغي أنهم لا يألونهم جهدا في الازدياد من الإغواء ، فلذلك تجد إخوانهم أكبر الغاوين . [ 203 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 203 ]

وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 203 )
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي
. معطوفة على جملة :
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
[ الأعراف : 199 ] والمناسبة أن مقالتهم هذه من جهالتهم والآية يجوز أن يراد بها خارق العادة أي هم لا يقنعون بمعجزة القرآن فيسألون آيات كما يشاءون مثل قولهم ( فجر لنا من الأرض ينبوعا ) وهذا المعنى هو الذي شرحناه عند قوله تعالى :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها
في سورة الأنعام [ 109 ] . وروي هذا المعنى عن مجاهد ، والسدي ، والكلبي ويجوز أن يراد بآية آية من القرآن يقترحون فيها مدحا لهم ولأصنامهم ، كما قال اللّه عنهم :
قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ
[ يونس : 15 ] روي عن جابر بن زيد وقتادة : كان المشركون إذا تأخر الوحي يقولون للنبي هلا أتيت بقرآن من عندك يريدون التهكم . و
لَوْ لا
حرف تحضيض مثل ( هلا ) . والاجتباء الاختيار ، والمعنى : هلّا اخترت آية وسألت ربك أن يعطيكها ، أي هلا أتيتنا بما سألناك غير آية القرآن فيجيبك اللّه إلى ما اجتبيت ، ومقصدهم من ذلك نصب الدليل على أنه بخلاف ما يقول لهم إنه رسول اللّه ، وهذا من الضلال الذي يعتري أهل العقول السخيفة في فهم الأشياء على خلاف حقائقها وبحسب من يتخيلون لها ويفرضون . والجواب الذي أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بأن يجيب به وهو قوله :
قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي
صالح للمعنيين ، فالاتباع مستعمل في معنى الاقتصار والوقوف عند الحد ، أي لا أطلب آية غير ما أوحى اللّه إلي ، ويعضد هذا ما في الحديث الصحيح أن
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 408 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور