تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
اسما علما على الذات العلية . وهذا ما يقتضيه تعليم اللّه اسمه لموسى حين كلمه فقال :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ
في سورة طه [ 14 ] . وفي سفر الخروج وقال الله لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل ( يهوه ) إله آبائكم إلخ الإصحاح الثالث . وفصلت جملة :
قالَ فِرْعَوْنُ
لوقوعها في طريق المحاورة . وقوله :
آمَنْتُمْ
قرأه الجمهور بصيغة الاستفهام - بهمزتين - فمنهم من حققها ، وهم : حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وروح عن يعقوب ، وخلف ، ومنهم من سهل الثانية مدّة ، فصار بعد الهمزة الأولى مدتان ، وهؤلاء هم : نافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وقرأه حفص عن عاصم - بهمزة واحدة - فيجوز أن يكون إخبارا ، ويجوز أن تكون همزة الاستفهام محذوفة وما ذلك ببدع . والاستفهام للإنكار والتهديد مجازا مرسلا مركبا ، والإخبار مستعمل كذلك أيضا لظهور أنه لا يقصد حقيقة الاستفهام ولا حقيقة الإخبار لأن المخاطبين صرحوا بذلك وعلموه ، والضمير المجرور بالباء عائد إلى موسى ، أي : آمنتم بما قاله ، أو إلى رب موسى . وجملة :
إِنَّ هذا لَمَكْرٌ
إلخ . . . خبر مراد به لازم الفائدة أي : قد علمت مرادكم لأن المخاطب لا يخبر بشيء صدر منه ، كقول عنترة :
إن كنت أزمعت الفراق فإنما * زمّت ركابكم بليل مظلم
أي : إن كنت أخفيت عني عزمك على الفراق فقد علمت أنكم شددتم رحالكم بليل لترحلوا خفية . وقوله :
قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
ترق في موجب التوبيخ ، أي لم يكفكم أنكم آمنتم بغيري حتى فعلتم ذلك عن غير استئذان ، وفصلها عما قبلها لأنها تعداد للتوبيخ . والمكر تقدم عند قوله تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
في سورة آل عمران [ 54 ] ، وتقدم آنفا عند قوله تعالى :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ
[ الأعراف : 99 ] . والضمير المنصوب في
مَكَرْتُمُوهُ
ضمير المصدر المؤكّد لفعله . و
فِي
ظرفية مجازية : جعل مكرهم كأنه موضوع في المدينة كما يوضع العنصر المفسد ، أي : أردتم إضرار أهلها ، وليست ظرفية حقيقية لأنها لا جدوى لها إذ معلوم لكل