تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
ولما كان ذلك الوعيد مما لا تطيقه النفوس سألوا اللّه أن يجعل لنفوسهم صبرا قويا ، يفوق المتعارف ، فشبه الصبر بماء تشبيه المعقول بالمحسوس ، على طريقة الاستعارة المكنية ، وشبه خلقه في نفوسهم بإفراغ الماء من الإناء على طريقة التخييلية ، فإن الإفراغ صبّ جميع ما في الإناء ، والمقصود من ذلك الكناية عن قوة الصبر لأن إفراغ الإناء يستلزم أنه لم يبق فيه شيء مما حواه ، فاشتملت هذه الجملة على مكنية وتخييلية وكناية . وتقدم نظيره في قوله تعالى :
قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
في سورة البقرة [ 250 ] . ودعوا لأنفسهم بالوفاة على الإسلام إيذانا بأنهم غير راغبين في الحياة ، ولا مبالين بوعيد فرعون ، وأن همتهم لا ترجو إلّا النجاة في الآخرة ، والفوز بما عند اللّه ، وقد انخذل بذلك فرعون ، وذهب وعيده باطلا ، ولعله لم يحقق ما توعدهم به لأن اللّه أكرمهم فنجاهم من خزي الدنيا كما نجاهم من عذاب الآخرة . والقرآن لم يتعرض هنا ، ولا في سورة الشعراء ، ولا في سورة طه ، للإخبار عن وقوع ما توعدهم به فرعون لأن غرض القصص القرآنية هو الاعتبار بمحل العبرة وهو تأييد اللّه موسى وهداية السحرة وتصلبهم في إيمانهم بعد تعرضهم للوعيد بنفوس مطمئنّة . وليس من غرض القرآن معرفة الحوادث كما قال في سورة النازعات [ 26 ]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى
، فاختلاف المفسرين في البحث عن تحقيق وعيد فرعون زيادة في تفسير الآية . والظاهر أن فرعون أفحم لما رأى قلة مبالاتهم بوعيده فلم يرد جوابا . وذكرهم الإسلام في دعائهم يدل على أن اللّه ألهمهم حقيقته التي كان عليها النبيّون والصديقون من عهد إبراهيم - عليه السلام - . والظاهر أن كلمة
مُسْلِمِينَ
تعبير القرآن عن دعائهم بأن يتوفاهم اللّه على حالة الصديقين ، وهي التي يجمع لفظ الإسلام تفصيلها ، وقد تقدم شرح معنى كون الإسلام وهو دين الأنبياء عند قوله :
فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
في سورة البقرة [ 132 ] . [ 127 ، 128 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 127 إلى 128 ]

وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ( 127 ) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 )