تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
مشدودا على خشبة ، وتقدم في قوله :
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ
في سورة النساء [ 157 ] ، وعلى هذا يكون توعّدهم بنوعين من العذاب . والوعيد موجّه إلى جماعتهم فعلم أنه جعلهم فريقين : فريق يعذب بالقطع من خلاف ، وفريق يعذب بالصلب والقتل ، فعلى هذا ليس المعنى على أنه يصلبهم بعد أن يقطعهم ، إذ لا فائدة في تقييد القطع بكونه من خلاف حينئذ ويحتمل أن يراد بالصلب : الصلب دون قتل ، فيكون أراد صلبهم بعد القطع ليجعلهم نكالا ينذعر بهم الناس ، كيلا يقدم أحد على عصيان أمره من بعد ، فتكون ( ثم ) دالة على الترتيب والمهلة ، ولعل المهلة قصد منها مدة كيّ واندمال موضع القطع ، وهذا هو المناسب لظاهر قوله :
أَجْمَعِينَ
المفيد أن الصلب ينالهم كلهم . وفصلت جملة
قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
لوقوعها في سياق المحاورة . والانقلاب : الرجوع وقد تقدم قريبا . وهذا جواب عن وعيد فرعون بأنه وعيد لا يضيرهم ، لأنهم يعلمون أنهم صائرون إلى اللّه رب الجميع ، وقد جاء هذا الجواب موجزا إيجازا بديعا لأنه يتضمن أنهم يرجون ثواب اللّه على ما ينالهم من عذاب فرعون ، ويرجون منه مغفرة ذنوبهم ، ويرجون العقاب لفرعون على ذلك ، وإذا كان المراد بالصلب القتل وكان المراد تهديد جميع المؤمنين ، كان قولهم :
إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
تشوقا إلى حلول ذلك بهم محبة للقاء اللّه تعالى ، فإن اللّه تعالى لما هداهم إلى الإيمان أكسبهم محبة لقائه ، ثم بينوا أن عقاب فرعون لا غضاضة عليهم منه ، لأنه لم يكن عن جناية تصمهم بل كان على الإيمان بآيات لما ظهرت لهم . أي : فإنك لا تعرف لنا سببا يوجب العقوبة غير ذلك . والنّقم : بسكون القاف وبفتحها ، الإنكار على الفعل ، وكراهة صدوره وحقد على فاعله ، ويكون باللسان وبالعمل ، وفعله من باب ضرب وتعب ، والأول أفصح ولذلك قرأه الجميع
وَما تَنْقِمُ
- بكسر القاف - . والاستثناء في قولهم :
إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا
متصل ، لأن الإيمان ينقمه فرعون عليهم ، فليس في الكلام تأكيد الشيء بما يشبه ضده . وجملة
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
من تمام كلامهم ، وهي انتقال من خطابهم فرعون إلى التوجه إلى دعاء اللّه تعالى ، ولذلك فصلت عن الجملة التي قبلها . ومعنى قوله :
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
اجعل لنا طاقة لتحمل ما توعدنا به فرعون .