تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
ما استطاعت ، وقرأ حفص عن عاصم : بسكون اللام وتخفيف القاف على صيغة المجرد . والتعبير بصيغة المضارع في قوله :
تَلْقَفُ
و
يَأْفِكُونَ
للدلالة على التجديد والتكرير ، مع استحضار الصورة العجيبة ، أي : فإذا هي يتجدد تلقفها لما يتجدد ويتكرر من إفكهم . وتسمية سحرهم إفكا دليل على أن السحر لا معمول له وأنه مجرد تخييلات وتمويهات . وقوله
فَوَقَعَ الْحَقُّ
تفريع على
تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ
. والوقوع حقيقته سقوط الشيء من أعلى إلى الأرض ، ومنه : وقع الطائر ، إذا نزل إلى الأرض ، واستعير الوقوع لظهور أمر رفيع القدر ، لأن ظهوره كان بتأييد الهي فشبه بشيء نزل من علو ، وقد يطلق الوقوع على الحصول لأن الشيء الحاصل يشبه النازل على الأرض ، وهي استعارة شائعة قال تعالى :
وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ
[ الذاريات : 6 ] أي : حاصل وكائن ، والمعنى فظهر الحق وحصل . ولعل في اختيار لفظ ( وقع ) ، هنا دون ( نزل ) مراعاة لفعل الإلقاء لأن الشيء الملقى يقع على الأرض فكان وقوع العصا على الأرض وظهور الحق مقترنين . و
الْحَقُّ
: هو الأمر الثابت الموافق للبرهان ، وضده الباطل ، والحق هنا أريد به صدق موسى وصحة معجزته وكون ما فعلته العصا هو من صنع اللّه تعالى ، وأثر قدرته . و
بَطَلَ
: حقيقته اضمحل . والمراد : اضمحلال المقصود منه وانتفاء أثر مزعوم لشيء يقال : بطل سعيه ، أي : لم يأت بفائدة ، ويقال : بطل عمله ، أي : ذهب ضياعا وخسر بلا أجر ، ومنه قوله تعالى :
وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
[ الأنفال : 8 ] أي : يزيل مفعوله وما قصدوه منه ، فالباطل هو الذي لا فائدة فيه ، أو لا خير فيه ، ومنه سمي ضد الحق باطلا لأنه شيء لا يحصل منه الأثر المرجو ، وهو القبول لدى العقول المستقيمة . وشاع هذا الإطلاق حتى صار الباطل كالاسم الجامد ، مدلوله هو ضد الحق ، ويطلق الباطل اسم فاعل من بطل ، فيساوي المصدر في اللفظ ، ويتعين المراد منهما بالقرينة ، فصوغ فعل بطل يكون مشتقا من المصدر وهو البطلان ، وقد يكون مشتقا من الاسم وهو الباطل . فمعنى
بَطَلَ
حينئذ وصف بأنه باطل مثل فهد وأسد ، ويصح تفسيره هنا بالمعنيين ، فعلى الأول يكون المعنى : وانتفت حينئذ آثار ما كانوا يعملون ، وعلى الثاني يكون المعنى : واتصف ما يعملون بأنه باطل ، وعلى هذا الوجه يتعين أن يكون المراد من الفعل معنى الظهور لا الحدوث ، لأن كون ما يعملونه باطلا وصف ثابت له من قبل أن يلقي موسى عصاه ، ولكن عند إلقاء العصا ظهر كونه باطلا ، ويبعّد هذا أن استعمال صيغة الفعل في معنى