تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
عطف على
فَغُلِبُوا
وَانْقَلَبُوا
[ الأعراف : 119 ] ، فهو في حيز فاء التعقيب ، أي : حصل ذلك كله عقب تلقف العصا ما يأفكون ، أي : بدون مهلة ، وتعقيب كل شيء بحسبه ، فسجود السحرة متأخر عن مصيرهم صاغرين ، ولكنه متأخر بزمن قليل وهو زمن انقداح الدليل على صدق موسى في نفوسهم ، فإنهم كانوا أعلم الناس بالسحر فلا يخفى عليهم ما هو خارج عن الأعمال السحرية ، ولذلك لما رأوا تلقف عصا موسى لحبالهم وعصيهم جزموا بأن ذلك خارج عن طوق الساحر ، فعلموا أنه تأييد من اللّه لموسى وأيقنوا أن ما دعاهم إليه موسى حق ، فلذلك سجدوا ، وكان هذا خاصا بهم دون بقية الحاضرين ، فلذلك جيء بالاسم الظاهر دون الضمير لئلا يلتبس بالضمير الذي قبله الذي هو شامل للسحرة وغيرهم . والإلقاء : مستعمل في سرعة الهوي إلى الأرض ، أي : لم يتمالكوا أن سجدوا بدون تريث ولا تردد . وبني فعل الإلقاء للمجهول لظهور الفاعل ، وهو أنفسهم ، والتقدير : وألقوا أنفسهم على الأرض . و
ساجِدِينَ
حال ، والسجود هيئة خاصة لإلقاء المرء نفسه على الأرض يقصد منها الإفراط في التعظيم ، وسجودهم كان للّه الذي عرفوه حينئذ بظهور معجزة موسى - عليه السلام - والداعي إليه بعنوان كونه رب العالمين . وجملة :
قالُوا
بدل اشتمال من جملة :
أُلْقِيَ السَّحَرَةُ
لأن الهوي للسجود اشتمل على ذلك القول ، وهم قصدوا من قولهم ذلك الإعلان بإيمانهم باللّه لئلا يظن الناس أنهم سجدوا لفرعون ، إذ كانت عادة القبط السجود لفرعون ، ولذلك وصفوا اللّه بأنه رب العالمين بالعنوان الذي دعا به موسى - عليه السلام - ، ولعلهم لم يكونوا يعرفون اسما علما للّه تعالى ، إذ لم يكن للّه اسم عندهم ، وقد علم بذلك أنهم كفروا بإلهية فرعون . وزادوا هذا القصد بيانا بالإبدال من
بِرَبِّ الْعالَمِينَ
قولهم
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
لئلا يتوهم المبالغة في وصف فرعون بأنه رب جميع العالمين ، وتعين في تعريف البدل طريق تعريف الإضافة لأنّها أخصر طريق ، وأوضحه هنا ، لا سيما إذا لم يكونوا يعرفون