تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وأبادهم عذاب من اللّه على شركهم ، فمن اتبعهم في صنعهم يوشك أن يحلّ به عذاب أيضا . و
الْخَلْقِ
يحتمل أن يكون مصدرا خالصا ، ويحتمل أن يكون بمعنى اسم المفعول ، وهو يستعمل في المعنيين . وقوله :
بَصْطَةً
ثبت في المصاحف بصاد قبل الطاء وهو مرادف بسطة الذي هو - بسين - قبل الطاء . ووقع في آيات أخرى . وأهمل الراغب ( بصطة ) الذي بالصاد . وظاهر عبارة القرطبي أنه في هذه الآية - بسين - وليس كذلك . والبصطة : الوفرة والسعة في أمر من الأمور . فإن كان ( الخلق ) بمعنى المصدر فالبصطة الزّيادة في القوى الجبلية أي زادهم قوّة في عقولهم وأجسامهم فخلقهم عقلاء أصحاء ، وقد اشتهر عند العرب نسبة العقول الرّاجحة إلى عاد ، ونسبة كمال قوى الأجسام إليهم قال النّابغة :
أحلام عاد وأجسام مطهّرة * من المعقة والآفات والإثم
وقال ودّاك بن ثميل المازني في « الحماسة » :
وأحلام عاد لا يخاف جليسهم * ولو نطق العوّار غرب لسان
وقال قيس بن عبادة :
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه * سراويل عادّي نمته ثمود
وعلى هذه الوجه يكون قوله :
فِي الْخَلْقِ
متعلّقا ب
بَصْطَةً
، وإن كان الخلق بمعنى النّاس فالمعنى : وزادكم بصطة في النّاس بأن جعلكم أفضل منهم فيما تتفاضل به الأمم من الأمور كلّها ، فيشمل رجحان العقول وقوّة الأجسام وسلامتها من العاهات والآفات وقوّة البأس ، وقد نسبت الدّروع إلى عاد فيقال لها : العاديّة ، وكذلك السّيوف العاديّة ، وقد قال اللّه تعالى حكاية عنهم :
وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
[ فصلت : 15 ] وحكى عن هود أنّه قال لهم :
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
[ الشعراء : 129 - 134 ] وعلى هذا الوجه يكون قوله :
فِي الْخَلْقِ
ظرفا مستقرا في موضع الحال من ضمير المخاطبين .