تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
ومعنى
أَ جِئْتَنا
أقصدت واهتممت بنا لنعبد اللّه وحده فاستعير فعل المجيء لمعنى الاهتمام والتّحفّز والتّصلّب ، كقول العرب : ذهب يفعل ، وفي القرآن :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ
[ المدثر : 1 ، 2 ] وقال حكاية عن فرعون :
ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى
[ النازعات : 22 ، 23 ] وفرعون لم يفارق مجلس ملكه وإنّما أريد أنّه أعرض واهتمّ ومثله قولهم ذهب يفعل كذا قال النّبهاني :
فإن كنت سيّدنا سدتنا * وإن كنت للخال فاذهب فخل
فقصدوا ممّا دلّ عليه فعل المجيء زيادة الإنكار عليه وتسفيهه على اهتمامه بأمر مثل ما دعاهم إليه . و
وَحْدَهُ
حال من اسم الجلالة وهو اسم مصدر أوحده : إذا اعتقده واحدا ، فقياس المصدر الإيجاد ، وانتصب هذا المصدر على الحال : إمّا من اسم الجلالة بتأويل المصدر باسم المفعول عند الجمهور أي موحّدا أي محكوما له بالوحدانية ، وقال يونس : هو بمعنى اسم الفاعل أي موحّدين له فهو حال من الضّمير في
لِنَعْبُدَ
. وتقدّم معنى :
وَنَذَرَ
عند قوله تعالى :
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً
في سورة الأنعام [ 70 ] . والفاء في قوله :
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
لتفريع طلب تحقيق ما توعدهم به ، وتحدّيا لهود ، وإشعارا له بأنّهم موقنون بأن لا صدق للوعيد الذي يتوعّدهم فلا يخشون ما وعدهم به من العذاب . فالأمر في قولهم :
فَأْتِنا
للتّعجيز . والإتيان بالشّيء حقيقته أن يجيء مصاحبا إيّاه ، ويستعمل مجازا في الإحضار والإثبات كما هنا . والمعنى فعجل لنا ما تعدنا به من العذاب ، أو فحقّق لنا ما زعمت من وعيدنا . ونظيره الفعل المشتقّ من المجيء مثل
ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ
[ هود : 53 ]
الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ
[ البقرة : 71 ] . وأسندوا الفعل إلى ضميره تعريضا بأن ما توعدهم به هو شيء من مختلقاته وليس من قبل اللّه تعالى ، لأنّهم يزعمون أنّ اللّه لا يحبّ منهم الإقلاع عن عبادة آلهتهم ، لأنّه لا تتعلّق إرادته بطلب الضّلال في زعمهم . والوعد الذي أرادوه وعد بالشرّ ، وهو الوعيد ، ولم يتقدّم ما يفيد أنّه توعّدهم بسوء ، فيحتمل أن يكون وعيدا ضمنيا تضمّنه قوله :
أَ فَلا تَتَّقُونَ
[ الأعراف : 65 ] لأنّ إنكاره عليهم