تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
انتفاء الاتّقاء دليل على أنّ ثمّة ما يحذر منه ، ولأجل ذلك لم يعيّنوا وعيدا في كلامهم بل أبهموه بقولهم
بِما تَعِدُنا
، ويحتمل أن يكون الوعيد تعريضا من قوله :
إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
[ الأعراف : 69 ] المؤذن بأنّ اللّه استأصل قوم نوح وأخلفهم بعاد ، فيوشك أن يستأصل عادا ويخلفهم بغيرهم . وعقّبوا كلامهم بالشّرط فقالوا :
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
استقصاء لمقدرته قصدا منهم لإظهار عجزه عن الإتيان بالعذاب فلا يسعه إلّا الاعتراف بأنّه كاذب ، وجواب الشّرط محذوف دلّ عليه ما قبله تقديره : أتيت به وإلّا فلست بصادق . فأجابهم بأن أخبرهم بأنّ اللّه قد غضب عليهم ، وأنّهم وقع عليهم رجس من اللّه . والأظهر أنّ :
وَقَعَ
معناه حق وثبت ، من قولهم للأمر المحقّق : هذا واقع ، وقولهم للأمر المكذوب : هذا غير واقع ، فالمعنى حقّ وقدر عليكم رجس وغضب . فالرّجس هو الشّيء الخبيث ، أطلق هنا مجازا على خبث الباطن ، أي فساد النّفس كما في قوله تعالى :
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
[ التوبة : 125 ] - وقوله -
كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
[ الأنعام : 125 ] . والمعنى أصاب اللّه نفوسهم بالفساد لكفرهم فلا يقبلون الخير ولا يصيرون إليه ، وعن ابن عبّاس أنّه فسّر الرّجس هنا باللّعنة ، والجمهور فسّروا الرّجس هنا بالعذاب ، فيكون فعل :
وَقَعَ
من استعمال صيغة المضي في معنى الاستقبال ، إشعارا بتحقيق وقوعه ؟ ومنهم من فسّر الرّجس بالسّخط ، وفسّر الغضب بالعذاب ، على أنّه مجاز مرسل لأنّ العذاب أثر الغضب ، وقد أخبر هود بذلك عن علم بوحي في ذلك الوقت أو من حين أرسله اللّه ، إذ أعلمه بأنّهم إن لم يرجعوا عن الشّرك بعد أن يبلّغهم الحجّة فإنّ عدم رجوعهم علامة على أنّ خبث قلوبهم متمكّن لا يزول ، ولا يرجى منهم إيمان ، كما قال اللّه لنوح :
لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
[ هود : 136 ] . وغضب اللّه تقديره : الإبعاد والعقوبة والتّحقير ، وهي آثار الغضب في الحوادث ، لأنّ حقيقة الغضب : انفعال تنشأ عنه كراهيّة المغضوب عليه وإبعاده وإضراره . وتأخير الغضب عن الرّجس لأنّ الرّجس ، وهو خبث نفوسهم ، قد دلّ على أنّ اللّه فطرهم على خبث بحيث كان استمرارهم على الضّلال أمرا جبلّيا ، فدلّ ذلك على أنّ اللّه غضب عليهم . فوقوع الرجس والغضب عليهم حاصل في الزّمن الماضي بالنّسبة لوقت قول