تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
والفاء في قوله :
فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ
فصيحة ، أي : إن ذكرتم وقت جعلكم اللّه خلفاء في الأرض ووقت زادكم بصطة فاذكروا نعمه الكثيرة تفصيلا ، فالكلام جاء على طريقه القياس من الاستدلال بالجزئي على إثبات حكم كلي ، فإنّه ذكرهم بنعمة واضحة وهي كونهم خلفاء ونعم مجملة وهي زيادة بصطتهم ، ثمّ ذكّرهم بقية النّعم بلفظ العموم وهو الجمع المضاف . والآلاء جمع ( إلى ) ، والإلى : النّعمة ، وهذا مثل جمع عنب على أعناب ، ونظيره جمع إني بالنّون ، وهو الوقت ، على آناء قال تعالى :
غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ
[ الأحزاب : 53 ] أي وقته ، وقال
وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ
[ طه : 130 ] . ورتب على ذكر نعم اللّه رجاء أن يفلحوا لأنّ ذكر النّعم يؤدّي إلى تكرير شكر المنعم ، فيحمل المنعم عليه على مقابلة النّعم بالطّاعة . [ 70 ، 71 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 70 إلى 71 ]

قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 70 ) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 71 ) جاوبوا هودا بما أنبأ عن ضياع حجّته في جنب ضلالة عقولهم ومكابرة نفوسهم ، ولذلك أعادوا تكذيبه بطريق الاستفهام الإنكاري على دعوته للتّوحيد ، وهذا الجواب أقلّ جفوة وغلظة من جوابهم الأوّل ، إذ قالوا :
إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ
[ الأعراف : 66 ] كأنّهم راموا استنزل نفس هود ومحاولة إرجاعه عمّا دعاهم إليه ، فلذلك اقتصروا على الإنكار وذكروه بأنّ الأمر الذي أنكره هو دين آباء الجميع تعريضا بأنّه سفّه آباءه ، وهذا المقصد هو الذي اقتضى التّعبير عن دينهم بطريق الموصولية في قولهم :
ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا
إيماء إلى وجه الإنكار عليه وإلى أنه حقيق بمتابعة دين آبائه ، كما قال الملأ من قريش لأبي طالب حين دعاه النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم أن يقول : « لا إله إلا اللّه » عند احتضاره فقالوا لأبي طالب : « أترغب عن ملّة عبد المطّلب » . واجتلاب ( كان ) لتدلّ على أن عبادتهم أمر قديم مضت عليه العصور . والتّعبير بالفعل وكونه مضارعا في قوله :
يَعْبُدُ
ليدلّ على أنّ ذلك متكرّر من آبائهم ومتجدّد وأنّهم لا يفترون عنه .