تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
. يجوز أن يكون قوله :
لِيُنْذِرَكُمْ
عطفا على قوله :
اعْبُدُوا
[ الأعراف : 65 ] ويكون ما بينهما اعتراضا حكي به ما جرى بينه وبين قومه من المحاورة التي قاطعوه بها عقب قوله لهم
اعْبُدُوا اللَّهَ
[ الأعراف : 65 ] ، فلمّا أتمّ جوابهم عمّا قاطعوا به كلامه عاد إلى دعوته ، فيكون رجوعا إلى الدّعوى ، ويجوز أن يكون عطفا على قوله :
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ
أي : لا تنكروا أن جاءكم ذكر من ربّكم واذكروا نعمته عليكم ، فيكون تكملة للاستدلال ، وأيّا ما كان فالمآل واحد ، وانتقل من أمرهم بالتّوحيد إلى تذكيرهم بنعمة اللّه عليهم التي لا ينكرون أنّها من نعم اللّه دون غيره ، لأنّ الخلق والأمر للّه لا لغيره . تذكيرا من شأنه إيصالهم إلى إفراد اللّه تعالى بالعبادة . وإنّما أمرهم بالذّكر ( بضمّ الذّال ) لأنّ النّفس تنسى النّعم فتكفر المنعم ، فإذا تذكّرت النّعمة رأت حقا عليها أن تشكر المنعم ، ولذلك كانت مسألة شكر المنعم من أهمّ مسائل التّكليف ، والاكتفاء بحسنه عقلا عند المتكلّمين سواء منهم من اكتفى بالحس العقلي ومن لم يكتف به واعتبر التوقّف على الخطاب الشّرعي . و
إِذْ
اسم زمان منصوب على المفعول به ، وليس ظرفا لعدم استقامة المعنى على الظّرفية ، والتّحقيق أن ( إذ ) لا تلازم الظرفية بل هي ظرف متصرّف ، وهو مختار صاحب « الكشاف » ، والمعنى : اذكروا الوقت الذي ظهرت فيه خلافتكم عن قوم نوح في تعمير الأرض والهيمنة على الأمم ، فإنّ عادا كانوا ذوي قوّة ونعمة عظيمة
وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
[ فصلت : 15 ] . فالخلفاء جمع خليفة وهو الذي يخلف غيره في شيء ، أي يتولى عمل ما كان يعمله الآخر ، وقد تقدّم عند قوله تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
في سورة البقرة [ 30 ] ، فالمراد : جعلكم خلفاء في تعمير الأرض ، ولما قال :
مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
علم أنّ المقصود أنّهم خلفاء قوم نوح ، فعاد أوّل أمّة اضطلعت بالحضارة بعد الطّوفان ، وكان بنو نوح قد تكاثروا وانتشروا في الأرض ، في أرمينية والموصل والعراق وبلاد العرب ، وكانوا أمما كثيرة ، أو كانت عاد عظم تلك الأمم وأصحاب السّيادة على سائر الأمم ، وليس المراد أنّهم خلفوا قوم نوح في ديارهم لأنّ منازل عاد غير منازل قوم نوح عند المؤرّخين ، وهذا التّذكير تصريح بالنّعمة ، وتعريض بالنّذارة والوعيد بأنّ قوم نوح إنّما استأصلهم