تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وَعِيسى
[ الشورى : 13 ] . وجملة :
أَ فَلا تَتَّقُونَ
استفهامية إنكارية معطوفة بفاء التّفريع على جملة :
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
. والمراد بالتّقوى الحذر من عقاب اللّه تعالى على إشراكهم غيره في العبادة واعتقاد الإلهيّة . وفيه تعريض بوعيدهم إن استمروا على ذلك . وإنّما ابتدأ بالإنكار عليهم إغلاظا في الدّعوة وتهويلا لفظاعة الشّرك ، إن كان قال ذلك في ابتداء دعوته ، ويحتمل أنّ ذلك حكاية قول من أقواله في تكرير الدّعوة بعد أن دعاهم المرّة بعد المرة ووعظهم ، كما قال نوح
إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً
[ نوح : 5 ] كما اقتضاه بعض توجيهات تجريد حكاية كلامه عن فاء التّفريع المذكور آنفا . ووصف الملإ ب
الَّذِينَ كَفَرُوا
هنا ، دون ما في قصّة نوح ، وصف كاشف وليس للتّقييد تفنّنا في أساليب الحكاية ألا ترى أنّه قد وصف ملأ قوم نوح ب
الَّذِينَ كَفَرُوا
في آية سورة هود ، والتّوجيه الذي في « الكشاف » هنا غفلة عمّا في سورة هود . والرّؤية قلبيّة ، أي أنّا لنعلم أنّك في سفاهة . والسّفاهة سخافة العقل ، وقد تقدّم القول في هذه المادة عند قوله تعالى :
قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ
[ البقرة : 13 ] - وقوله -
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
في سورة البقرة [ 130 ] . جعلوا قوله :
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
كلاما لا يصدر إلّا عن مختل العقل لأنّه من قول المحال عندهم . وأطلقوا الظنّ على اليقين في قولهم :
وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ
وهو استعمال كثير كما في قوله تعالى :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
وقد تقدّم في سورة البقرة [ 46 ] ، وأرادوا تكذيبه في قوله
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
، وفيما يتضمّنه قوله ذلك من كونه رسولا إليهم من اللّه . وقد تشابهت أقوال قوم هود وأقوال قوم نوح في تكذيب الرّسول لأنّ ضلالة المكذّبين متّحدة ، وشبهاتهم متّحدة ، كما قال تعالى :
تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ
[ البقرة : 118 ] فكأنّهم لقّن بعضهم بعضا كما قال تعالى :
أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
[ الذاريات : 53 ] . [ 67 ، 68 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 67 إلى 68 ]

قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 67 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ( 68 )