بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( 1 )
الْحَمْدُ لِلَّهِ
جملة خبرية قصد بها الثناء على اللّه بمضمونها ، من أنه تعالى مالك لجميع الحمد من الخلق ، أو مستحق لأن يحمدوه ، واللّه علم على المعبود بحق
شرح
على القول بأنها ليست منها . قوله : ( بكونها ) الباء بمعنى في ، أي في كون الفاتحة كلها من مقول العباد ، وفي نسخة بكونه وهي أوضح ، والضمير عائد على ما قبلإِيَّاكَومحصله أنإِيَّاكَ نَعْبُدُلما كان من مقول العباد ، احتيج إلى تقدير قولوا فيما قبله ، ليكون ما قبله من مقول العباد أيضا ، فتكون الفاتحة كلها من مقول العباد ، ولو ترك هذا التقدير ، لاحتمل أن قوله :الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَإلى آخر الآيات الأربع ثناء على اللّه ، فيكون بعضها الأول من مقول اللّه ، وبعضها الثاني من مقول العبد ثناء من اللّه على نفسه ، فيكون من مقولة هو ، وذلك صحيح في حد ذاته ، لكن التناسب أبلغ .
قوله :بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِلم يتكلم الجلال المحلي ولا تلميذ عليها ، ولعلهما اتكلا على شهوته ، ونتكلم على شيء منها فنقول : ابتدأ كتابه تعالى بالبسملة ، تعليما لعباده الاقتداء بذلك ، والإتيان بها في كل أمر ذي بال ، إشعارا بأنها أم الفاتحة كما أن الفاتحة أم القرآن ، كما أن القرآن أم الكتب السماوية ، واللّه علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد ، والرحمن المنعم بجلائل النعم ، كما وكيفا دنيا وأخرى ، والرحيم المنعم بدقائقها كذلك .
- فائدة - روى الشعبي والأعمش أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يكتب : باسمك اللهم حتى نزل وقال :
اركبوا فيها بسم اللّه مجراها ومرساها كتب بسم اللّه ، فلما نزلتقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَكتب :
بسم اللّه الرحمن ، فلما نزلتإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِكتبها ، وعن عبد اللّه بن مسعود قال : من أراد أن ينجيه اللّه من الزبانية التسعة عشر فليقرأ « بسم الله الرحمن الرحيم » ليجعل اللّه له بكل حرف منها جنة من كل واحد ، وقد فسرها بعض العارفين على مقتضى الحروف فقال : إن كل حرف منها مفتاح كل اسم من أسمائه تعالى ، مبدوء بذلك الحرف ، فالباء مفتاح اسمه تعالى : بصير وباقي وبر ، ونحو ذلك ، والسين مفتاح اسمه تعالى : سميع سلام ، والميم مفتاح اسمه ملك ونحوه ، والألف مفتاح اسمه تعالى ونحوه ، واللام مفتاح اسمه لطيف ونحوه ، والهاء مفتاح اسمه هادي ونحوه ، والراء مفتاح اسمه رزاق ونحوه ، والحاء مفتاح اسمه حليم ونحوه ، والنون مفتاح اسمه نافع ونحوه ، فكأن المفتتح بها مفتتح بجميع أسمائه تعالى . قوله : ( جملة ) أي مركبة من مبتدأ وخبر ، وقوله : ( خبرية ) أي لفظا وهي إنشائية معنى بدليل قوله : ( قصد الثناء ) أي قصد بها إنشاء الثناء . قوله : ( من أنه تعالى ) الخ ، بيان للمضمون ، وفي ذلك إشارة إلى أن أل في الحمد جنسية ، وهو الأولى من جعلها استغراقية أو عهدية ، أما الأول فلأنه ليس في طاقة العبيد حصر أفراد الحمد ، وأما الثاني فلقصوره كذا قال النحويون ، واختار الصوفية أنها للعهد قائلين : إن اللّه تعالى لما علم عجز خلقه عن كنه حمده ، حمد نفسه بنفسه أو وضعه لهم يحمدونه به ، وهذا المعنى هو المناسب للحمد الواقع في القرآن فتدبر . قوله : ( ومستحق ) الخ ، أشار بذلك إلى أن اللام فيلِلَّهِللملك أو للاستحقاق . قوله : ( واللّه علم على المعبود بحق ) أي علم شخص عربي مرتجل جامد وهو الصحيح ، ومعنى كونه علم شخص ، أنه علم على ذات معينة مستجمعة لصفات الكمال ، وقال الزمخشري : إنه اسم جنس صار علما بالغلبة مشتق من أله كعبد وزنا ومعنى أو من أله بمعنى سكت ، أو من وله بمعنى تحير ودهش أو طرب ، أو من لاه بمعنى احتجب ، أو ارتفع أو استنار ، ومجموع