تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
النَّاسِ
( 3 ) بدلان ، أو صفتان ، أو عطفا بيان ، وأظهر المضاف إليه فيهما زيادة للبيان
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ
أي الشيطان ، سمي بالحدث لكثرة ملابسته له
الْخَنَّاسِ
( 4 ) لأنه يخنس ويتأخر عن القلب كلما ذكر اللّه
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
( 5 ) قلوبهم إذا غفلوا عن ذكر اللّه
مِنَ
شرح
قوله :إِلهِ النَّاسِهذا الترتيب بديع ، وذلك أن الإنسان أو لا يعرف أن له ربا لما شاهده من أنواع التربية ، ثم إذا تأمل ، عرف أن هذا الرب متصرف في خلقه ، غني عن غيره فهو الملك ، ثم إذا زاد تأمله ، عرف أنه يستحق أن يعبد ، لأنه لا يعبد إلا الغني عن كل ما سواه ، المفتقر إليه كل ما عداه . قوله : ( زيادة للبيان ) حاصله أنه ورد إشكال وهو : لم كرر لفظ الناس ثانيا وثالثا ، ولم يكتف بضميرهم ، مع أن اتحاد اللفظين في اللفظ ، والمعنى معيب كالإبطاء في الشعر . فأجاب المفسر بقوله : ( زيادة للبيان ) وهو جواب خفي ، وأحسن منه أن يقال : إن التكرار لإظهار شرف الناس وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم ، كما أنه حسن التكرار للتلذذ ، وإظهار فضل المكرر في قول بعضهم :محمد ساد الناس كهلا ويافعا * وساد على الأملاك أيضا محمدمحمد كل الحسن من بعض حسنه * وما حسن كل الحسن إلا محمدمحمد ما أحلى شمائله وما * ألذ حديثا راح فيه محمدوهذا على تسليم أن المراد بالناس في الجميع شيء واحد ، وأما إن أريد بالناس . الأول : الصغار وأضيفوا للرب ؛ لاحتياجهم إلى التربية أكثر من غيرهم . وبالثاني : الشباب وأضيفوا للملك ، لأن شأنهم الطغيان والطيش ، فهم محتاجون لملك يسوسهم ويكسر هيجان شبوبيتهم . وبالثالث : الشيوخ أضيفوا للإله ، لأن شأنهم كثرة العبادة ، لقرب ارتحالهم وقدومهم على ربهم وفناء شهواتهم ، فهم أقرب من غيرهم للتعلق بالإله ، فلا اتحاد في المعنى . قوله :مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِمتعلق بأَعُوذُإن قلت : ما الحكمة في وصف اللّه تعالى في هذه السورة نفسه بثلاثة أوصاف ، وجعل المستعاذ منه شيئا واحدا ، وفي السورة قبلها بعكس ذلك ، لأن وصف نفسه بوصف واحد ؛ وجعل المستعاذ منه أربعة أشياء . أجيب : بأنه في السورة المتقدمة المستعاذ منه أمور تضر في ظاهر البدن ، وهنا وإن كان أمرا واحدا ، إلا أنه يضر الروح ، وما كان يضر الروح يهتم بالاستعاذة منه . إن قلت : كان مقتضى الظاهر تقديم ما به الاهتمام ، وهو الاستعاذة من شر الوسواس ، إذ سلامة الروح مقدمة على البدن . أجيب : بأن سلامة البدن وسيلة للمقصود بالذات ؛ وهو سلامة الروح . قوله : ( سمي بالحدث ) أي المصدر ، وقوله : ( لكثرة ملابسته له ) أي ملازمته للوسوسة ، فهو على حد : زيد عدل ، وما ذكره المفسر بمتعين ، فإن الوسواس بالفتح ، كما يستعمل اسم مصدر بمعنى الحدث ، يطلق على نفس الشيطان الموسوس ، ويطلق أيضا على ما يخطر بالقلب من الشر . واعلم أن خواطر القلب أربعة : رحماني وملكي ونفسي ، وشيطاني ، فالرحماني ما يلزم طاعة بعينها ، والملكي ما يلزم طاعة لا بعينها ، والنفسي ما يلزم معصية بعينها ، والشيطاني ما يلزم معصية لا بعينها فتمسك بهذا الميزان . قوله : ( لأنه يخنس ) من باب دخل ، أي يتوارى ويختفي بعد ظهوره المرة بعد المرة . قوله : ( كلما ذكر اللّه ) أي فالذكر له كالقامع الذي يقمع المفسد ، فهو شديد النفور منه ، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلا ، وعن بعض