بجهادك
فَتْحاً مُبِيناً
( 1 ) بينا ظاهرا
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
بجهادك
ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
منه لترغيب أمتك في الجهاد ، وهو مؤول لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بالدليل العقلي القاطع من الذنوب ، واللام للعلة الغائية ، فمدخولها مسبب لا سبب
وَيُتِمَّ
بالفتح المذكور
نِعْمَتَهُ
إنعامه
عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ
به
صِراطاً
طريقا
مُسْتَقِيماً
( 2 ) يثبتك عليه وهو دين الإسلام
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ
به
نَصْراً عَزِيزاً
( 3 ) ذا عز لا ذل معه
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ
شرح
تفتح إلا في السنة الثامنة ، فكيف عبر بالماضي ؟ فأجاب : بأن التعبير بالماضي بالنسبة للقضاء الأزلي ، والمعنى : حكمنا لك في الأزل بالفتح المبين ، وحينئذ فالتعبير بالماضي حقيقة . وأجيب أيضا بأن التعبير بالماضي مجاز لتحقق الوقوع ، نظيروَنُفِخَ فِي الصُّورِ . *وأجيب أيضا : بأن الفتح على حقيقته ، وأن المراد به صلح الحديبية ، لأنه أصاب فيه ما لم يصب في غيره ، قال الزهري : لقد كان فتح الحديبية أعظم الفتوح ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جاء إليها في ألف وأربعمائة ، فلما وقع الصلح ، مشى الناس بعضهم على بعض ، وعلموا وسمعوا من اللّه ، فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه ، فما مضت تلك السنتان ، إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكة في عشرة آلاف ، وقال الشعبي في قوله :إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناًهو فتح الحديبية ، لقد أصاب فيها ما لم يصب في غزوة غيرها ، غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبويع بيعة الرضوان ، وأطعموا نخل خيبر ، وبلغ الهدي محله ، وظهرت الروم على فارس ، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس ا ه . قوله : ( عنوة ) هذا مذهب مالك وأبي حنيفة ، نظرا لكون النبي وأصحابه دخلوها قهرا ، ووقوع القتال من بعض الصحابة لخالد بن الوليد وأصحابه في جهة وأسفلها ، مذهب الشافعي أنها فتحت صلحا نظرا للظاهر ، وهو عدم حصول القتال من النبي ، وتأمينه أبا سفيان ، وهذا الخلاف يكاد أن يكون لفظيا . قوله : ( بجهادك ) متعلق بقوله : ( بفتح مكة ) وهو جواب عما يقال : إن الفتح ناشئ من اللّه ، والمغفرة تكون للشخص ، فكيف تترتب عليه ، وإنما الشأن أن تترتب على ما يكون من الشخص ؟
فأجاب : بأن الفتح وإن كان من اللّه ، لكنه ترتب على فعل النبي وهو الجهاد ، فصح أنه يترتب على الفتح المغفرة بهذا الاعتبار . قوله : ( لترغب أمتك ) علة لترتب الغفران على الفتح . قوله : ( وهو مؤول ) أي أن اسناد الذنب له صلّى اللّه عليه وسلّم مؤول ، إما بأن المراد ذنوب أمتك ، أو هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ، أو بأن المراد بالغفران ، الإحالة بينه وبين الذنوب ، فلا تصدر منه ، لأن الغفر هو الستر ، والستر إما بين العبد والذنب ، أو بين الذنب وعذابه ، فاللائق بالأنبياء الأول ، وبالأمم الثاني ، إن قلت : إن عصمة النبي عليه السّلام من الذنوب ، حاصلة بالفعل قبل النبوة وبعدها ، فكيف تكون مرتبة على جهاده ؟ أجيب :
بأن المرتب اظهارها للخلق لا هي نفسها . قوله : ( من الذنوب ) أي صغيرها وكبيرها ، عمدها وسهوها ، قبل النبوة وبعدها . قوله : ( للعلة الغائية ) أي وهي المترتبة على آخر الفعل ، وليست العلة باعثة لاستحالة الأغراض على اللّه تعالى في الأفعال والأحكام . قوله : ( لا سبب ) أي لأن السبب ما يضاف إليه الحكم ، كالزوال لوجوب الظهر ، والمغفرة ليست كذلك . قوله : ( بالفتح المذكور ) أي وهو فتح مكة وغيرها بجهادك . قوله : ( يثبتك عليه ) أي يديمك ويقويك عليه ، أو المراد يزيدك في الهداية باتباع الشريعة وأحكام الدين . قوله : ( ذا عز ) جواب عما يقال : إن العزيز وصف للمنصور لا للنصر ، وتوضيح جوابه أن فعيلا صيغة نسبة ، أي نصرا منسوبا للعز . قوله : ( لا ذل معه ) أي لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما مطلق