تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
( 2 ) أي انتفى الجنون عنك بسبب إنعام ربك عليك بالنبوّة وغيرها ، وهذا رد لقولهم إنه مجنون
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ
( 3 ) مقطوع
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ
دين
عَظِيمٍ
( 4 )
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ
( 5 )
بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ
( 6 ) مصدر كالمعقول أي الفتون بمعنى الجنون ، أي أبك أم بهم ؟
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
( 7 ) له ، وأعلم بمعنى عالم
فَلا تُطِعِ
شرح
به الكائنات ) الخ ، هذا أحد قولين ، والآخر أن المراد به الجنس ، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض ، قال تعالى :وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِلأن القلم نعمة كاللسان عن ابن عباس : أول ما خلق القلم ثم قال له : اكتب ، قال : ما أكتب ؟ قال : اكتب ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، من عمل أو أجل أو رزق أو أثر ، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة . قال : ثم ختم فم القلم ، فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة ، وهو من نور طوله كما بين السماء والأرض . قوله : ( أي الملائكة ) يصح أن يراد بهم الملائكة الذين ينسخون المقادير من اللوح المحفوظ ، وأن يراد بهم الحفظة الذين يكتبون عمل الإنسان ، فأقسم أولا بالقلم ، ثم بسطر الملائكة على ثلاثة أشياء : نفى الجنون عنه ، وثبوت الأجر له ، وكونه على خلق عظيم ، فالمقسم به شيئان أو ثلاثة : بزيادة نون ، على أن المراد به الحوت . قوله :ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَالخ ، جواب القسم ، والباء فيبِنِعْمَةِ رَبِّكَسببية وفيبِمَجْنُونٍزائدة ، ومجنون خبرما .قوله : ( وهذا رد لقولهم ) أي كما حكاه اللّه عنهم في قوله : ( وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) . قوله :وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍأي بل هو دائم جار مستمر لا ينقطع ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم دائما يترقى في الكمالات ، فمقامه بعد وفاته أعظم منه في حال حياته ، ومقامه في الآخرة أعلى من مقامه في الدنيا . قوله :وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍقال ابن عباس : معناه على دين عظيم ، لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه ، وهو دين الإسلام ، وقال الحسن : هو آداب القرآن ، بدليل أن عائشة لما سئلت عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : كان خلقه القرآن ، ولذا قال قتادة : هو ما كان يأتمر به من أوامر اللّه ، وينتهي عنه من نهي اللّه تعالى ، والمعنى : إنك على الخلق الذي أمرك اللّه به في القرآن ، وهذا أعظم مدح له صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولذا قال العارف البوصيري رضي اللّه عنه :فهو الذي تم معناه وصورته * ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسمقوله :فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَأي فستعلم ويعلمون في الدنيا ، بظهور عاقبة أمرك ، واستيلائك عليهم بالقتل والنهب ، ويوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل . قوله :بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُبِأَيِّكُمُخبر مقدم ، والْمَفْتُونُمبتدأ مؤخر ، والجملة في محل نصب تنازعها كل من تبصر ويبصرون ، أعمل الثاني وأضمر في الأول وحذف لأنه فضلة ، وليس قوله :بِأَيِّكُمُمتعلقا بيبصرون ، لأنه معلق بالاستفهام عن العمل . قوله : ( مصدر كالمعقول ) أي جاء على صيغة مفعول ، كالمعقول والميسور قوله :إِنَّ رَبَّكَالخ ، تعليل لما قبله ، وتأكيد الوعد والوعيد . قوله : ( له ) أي للسبيل . قوله : ( وأعلم بمعنى عالم ) أشار بذلك إلى أن اسم التفضيل ليس على بابه ، وإلا لاقتضى مشاركة الحادث للقديم وهو باطل .