تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي
بالإنشاء
وَيُمِيتُ
بعده
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 2 )
هُوَ الْأَوَّلُ
قبل كل شيء بلا بداية
وَالْآخِرُ
بعد كل شيء بلا نهاية
وَالظَّاهِرُ
بالأدلة عليه
وَالْباطِنُ
عن إدراك الحواس
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( 3 )
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
شرح
قوله : ( تغليبا للأكثر ) أي وهو غير العاقل ، فالمراد بالسماوات والأرض جهة العلو والسفل ، فيشمل نفس السماوات والأرض ، واعلم أن تسبيح العقلاء بلسان المقال اتفاقا . واختلف في تسبيح غيرهم ، فقيل بالحال أي إن ذاتها دالة على تنزيه صانعها عن كل نقص ، وقيل بلسان المقال أيضا ، ولكن لا يطلع على تسبيحها ، إلا من خصه اللّه بذلك . قوله :وَهُوَ الْعَزِيزُ( في ملكه ) أي الغالب على أمره لا يغلبه شيء . قوله :الْحَكِيمُ( في صنعه ) أي يضع الشيء في محله ، فلا حرج عليه ، ولا معقب لحكمه . قوله :لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِجملة مستأنفة كالدليل لما قبلها ، كأنه قيل :هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ،لأن له ملك السماوات والأرض ، يتصرف فيه على ما يريد . قوله : ( بالإنشاء ) أي من العدم ، وفيه رد على من يزعم ، أن الإحياء يكون بترك الحي من غير قتل مثلا كالنمرود حيث قال في محاجة إبراهيم عليه السلام : أنا أحيي وأميت ، وأتى برجلين فأطلق أحدهما وقتل الآخر . قوله :وَيُمِيتُ( بعده ) أي بعد الإحياء الحاصل بالإنشاء ، وأما الإحياء الثاني فلا موت بعده ، قال تعالى :لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى .قوله :وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌبضم الهاء وسكونها ، قراءتان سبعيتان في جميع القرآن . قوله :هُوَ الْأَوَّلُ( قبل كل شيء ) أي السابق على جميع الموجودات ، وقوله : ( بلا بداية ) أي فلا افتتاح لوجوده . قوله :وَالْآخِرُ( بعد كل شيء ) أي الباقي بذاته بعد استحقاق كل ما سواه الفناء ، وبهذا اندفع ما يقال : إن الجنة والنار وما فيهما ، لا يطرأ عليهما الفناء ، لأن كل موجود بعد عدم قابل للفناء ، وبقاء ما ذكر ببقاء اللّه تعالى لا ذاتي له ، قال العارف :من لا وجود لذاته من ذاته * فوجوده لولاه عين محالقوله : ( بالأدلة عليه ) أي وهي آثاره وتصاريفه في خلقه :ففي كل شيء له آية * تدل على أنه الواحدقوله : ( عن إدراك الحواس ) أي الظاهرية والباطنية ، فلا تحيط به في الدنيا ولا في الآخرة ، وإنما رؤيته وسماع كلامه في الآخرة ، من غير كيف ولا انحصار ولا إحاطة ، فكل مخلوق عاجز عن الإحاطة به ، بل كلما عظم قرب العبد منه ، ازداد خشية وهيبة وعجزا ، ولذا ورد في الحديث : « سبحان من لا يعلم قدره غيره ، ولا يبلغ الواصفون صفته » . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا أراد أحدكم أن ينام ، فليضطجع على شقه الأيمن ويقول : اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء ، فالق الحب والنوى ، منزل التوراة والإنجيل والقرآن ، أعوذ بك من شر كل شيء ، أنت آخذ بناصيته . وفي رواية : من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنا الدين ، وأغننا من الفقر » ا ه . وأتى بالواو الأولى والثالثة ، للجمع بين الوصفين الأولين والأخيرين ، والثالثة للجمع بين