الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 85
بأنهم إناث وَيُسْئَلُونَ ( 19 ) عنها في الآخرة فيترتب عليها العقاب وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ أي الملائكة ، فعبادتنا إياهم بمشيئته فهو راض بها ، قال تعالى ما لَهُمْ بِذلِكَ المقول من الرضا بعبادتها مِنْ عِلْمٍ إِنْ ما هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 20 ) يكذبون فيه ، فيترتب عليهم العقاب به أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ أي القرآن بعبادة غير اللّه فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ( 21 ) أي لم يقع ذلك بَلْ وهذا بيان لنوع آخر من كفرياتهم ، فالقول بأن الملائكة إناث كفر لأن فيه جعل أكمل العباد وأكرمهم على اللّه أنقصهم رأيا وأخسهم صنفا اه كرخي . قال الكلبي ومقاتل : لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « ما يدريكم أنهم إناث » ؟ قالوا : سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال اللّه تعالى : سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ أي : عنها في الآخرة : هذا يدل على أن القول بغير دليل منكر ، وأن التقليد حرام يوجب الذم العظيم . تنبيه : قال البقاعي : يجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ما قالوا ولا علم لهم به فإنه قد روى أبو أمامة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كاتب الحسنة على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل ، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب اليسار دعه سبع ساعات لعله يسبح اللّه أو يستغفر » اه خطيب . قوله : وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ أي : لو شاء عدم عبادة الملائكة ما عبدناهم ، فاستدلوا بنفي مشيئته عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها ، وذلك باطل لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض مأمورا كان أو منهيا حسنا كان أو غيره اه بيضاوي . وهذا بيان لنوع آخر من كفرياتهم ، والحاصل أنهم كفروا بمقالات ثلاثة هذه والتي قبلها وهي فولهم الملائكة إناث والتي قبلها وهي قولهم : الملائكة بنات اللّه اه شيخنا . وفي الخطيب : قال المحققون هؤلاء الكفار كفروا في هذا القول من ثلاثة أوجه ، أولها : إثبات الولد . ثانيها : أن ذلك الولد بنت . ثالثها : الحكم على الملائكة بالأنوثة اه في صنيعه تسمح . قوله : إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ قاله هنا بلفظ يخرصون ، وفي الجاثية بلفظ قوله : يَظُنُّونَ لأن ما هنا متصل بقوله : وجعلوا الملائكة الآية أي : قالوا : الملائكة بنات اللّه وأن اللّه قد شاء منا عبادتنا إياهم وهذا كذب ، فناسبه يخرصون وما هناك متصل بخلطهم الصدق بالكذب ، فإن قولهم : قوله : نَمُوتُ وَنَحْيا [ المؤمنون : 37 والجاثية : 24 ] صدق وكذبوا في إنكارهم البعث ، وقوله : وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] فناسبه يظنون أي : يشكون فيما يقولون اه كرخي . قوله : ( يكذبون فيه ) أي : في القول . وفي المصباح : وخرص الكافر خرصا من باب قتل كذب فهو خارص اه . قوله : أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ هذا معادل لقوله : قوله : أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ [ الزخرف : 69 ] والمعنى أحضروا خلقهم أي : آتيناهم كتابا من قبله أي : من قبل القرآن أي : بما ادعوه فهم به