كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
أي كسبتم من الذنوب ، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها
وَيَعْفُوا عَنْ
شرح
وقال قوم منهم أبو البقاء إنها شرطية حذفت منها الفاء قال أبو البقاء : كقوله تعالى :وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ[ الأنعام : 121 ] وقول الآخر من يفعل الحسنات اللّه يشكرها .
وليس هذا مذهب الجمهور إنما قال به الأخفش وبعض البغداديين ، وأما الآية فقوله : إنكم لمشركون ليس جوابا للشرط إنما هو جواب لقسم مقدر حذفت لامه الموطئة قبل أداة الشرط ، وأما القراءة الثانية فالظاهر أنها فيها شرطية ولا يلتفت لقول أبي البقاء أنه ضعيف ، ويجوز أن تكون الموصولة والفاء داخلة في الخبر تشبيها للموصول بالشرط بشروط ذكرتها مستوفاة في هذا الموضوع بحمد اللّه تعالى ، وقد وافق نافع وابن عامر مصاحفهما ، فإن الفاء ساقطة من مصاحف المدينة والشام ، وكذلك الباقون فإنها ثابتة في مصاحف مكة والعراق اه .
قوله : ( تزاول ) أي : تعالج وتحصل بها اه شيخنا .
وفي المختار : والمزاولة المحاورة والمعالجة وتزاولوا تعالجوا اه .
قوله :وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍمن تتمة قوله فبما كسبت أيديكم أي : أن الذنوب قسمان ، قسم يعجل العقوبة عليه في الدنيا بالمصائب ، وقسم يعفو عنه فلا يعاقب عليه بها وما يعفو عنه أكثر اه شيخنا .
وفي القرطبي : والمصيبة هنا الحدود على المعاصي قاله الحسن ، وقال الضحاك : ما تعلم الرجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب قال اللّه تعالى :وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْثم قال : وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن ؟ ذكره ابن المبارك . عن ابن عبد العزيز بن أبي رواد عنه قال أبو عبيد :
إنما هذا على الترك فأما الذي هو دائم في تلاوته حريص على حفظه إلا أن النسيان يغلبه فليس من ذلك في شيء ، وقال علي رضي اللّه عنه : وهذا الآية أرجى آية في كتاب اللّه عز وجل ، وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فأي شيء يبقى بعد كفارته وعفوه ؟ وقد روي هذا المعنى مرفوعا عنه رضي اللّه عنه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . قال علي بن أبي طالب : ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب اللّه ، حدثنا بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّموَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْالآية . يعني ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم ، واللّه أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة ، وما عفا عنه في الدنيا فاللّه أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه ، وقال الحسن : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكتة حجر إلا بذنب وما يعفو اللّه عنه أكثر » . وقال الحسن : دخلنا على عمران بن الحصين ، فقال رجل : لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع فقال عمران : يا أخي لا تفعل فو اللّه إني لا أحب الوجع ، ومن أحبه كان أحب الناس إلى اللّه قال اللّه تعالى :وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ،فهذا مما كسبت يدي وعفو ربي عما بقي أكثر . وقال أحمد بن أبي الحواري : قيل لأبي سليمان الداراني : ما بال العلماء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم ؟ فقال : لأنهم علموا أن اللّه تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم . قال تعالى :وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْوقال عكرمة : ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن اللّه ليغفره إلا بها ، أو لنيل درجة لم يكن ليوصله إليها إلا بها . وروي أن رجلا قال لموسى : يا موسى سل اللّه لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم بها ففعل موسى ، فلما نزل إذا هو بالرجل قد مزق السبع لحمه وقتله ، فقال موسى : يا رب ما بال هذا ؟ فقال اللّه تعالى : يا