تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
حاجة إلى ما يؤثرون به
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
حرصها على المال
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 9 )
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ
من المهاجرين والأنصار إلى يوم
شرح
الواو ، وقوله : من أموال الخ بيان لما اه شيخنا . قوله :وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْأي : في كل شيء من أسباب المعاش حتى أن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحدا من المهاجرين ، وقوله : ولو كان بهم خصاصة جملة حالية ، والخصاصة : الحاجة والخلة وأصلها خصاص البيت وهي فروجه اه أبو السعود . وفي القرطبي : الإيثار وهو تقديم الغير على النفس ، وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية ، وذلك ينشأ عن قوة اليقين ووكيد المحبة والصبر على المشقة ، يقال : آثرته بكذا أي : خصصته به وفضلته ومفعول الإيثار محذوف أي : يؤثرون على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها ، فقد روي عن ابن عمر أنه قال : أهدي لرجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأس شاة ، فقال : إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا بعثه إليهم ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات ثم عادت إلى الأول ، فنزلت هذه الآية . وروى الداراني أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة ثم قال للغلام : اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم امكث عنده في البيت حتى تنظر ما يصنع بها ، فذهب بها الغلام إليه وقال : يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال : وصله اللّه ورحمه ثم قال : تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى فقدها ، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره ووجده قد ربط مثلها لمعاذ بن جبل ، فقال : اذهب بها إليه وامكث في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع فذهب بها إليه ، وقال له : يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال : رحمه اللّه ووصله ، وقال : يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا وإلى بيت فلان بكذا ، فجاءت امرأة معاذ وقالت : ونحن واللّه مساكين فاعطنا ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها ، فرجع الغلام إلى عمر فأخبر فسّر بذلك وقال : إنهم إخوة بعضهم من بعض ، ونحوه عن عائشة وغيرها اه . قوله :وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِكلام عام ومن شرطية ويوق فعل الشرط ، وقوله : فأولئك الخ جزاؤه وفيه رعاية معنى من بعد رعاية لفظها اه سمين . قوله : ( حرصها على المال ) فيه إيماء إلى الفرق بين البخل والشح ، وإيضاحه : أن الشح اللؤم وهو غريزة ، والبخل المنع نفسه فهو أعم لأنه قد يوجد البخل ولا شح له ولا ينعكس . وعن النسائي ، عن أبي هريرة قال ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا » . فإذن الشح صفة راسخة يصعب معها على الرجل تأتي المعروف وتعاطي مكارم الأخلاق ، ويفتقر في التخلص منه إلى معونة اللّه وتوفيقه ، وفي الجامع الصغير : « الشحيح لا يدخل الجنة » رواه الخطيب في كتاب البخلاء عن ابن عمر ، وفي الصحاح : الشح البخل مع حرص اه كرخي . قوله :فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَأي : الفائزون بما أرادوا . روي أن رجلا قال لابن مسعود : إني أخاف أن أكون قد هلكت . قال : ما ذاك ؟ قال : إني أسمع اللّه يقول : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم