تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
واتخاذ الصوامع
ابْتَدَعُوها
من قبل أنفسهم
ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ
ما أمرناهم بها
إِلَّا
لكن فعلوها
ابْتِغاءَ رِضْوانِ
مرضاة
اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها
إذ تركها كثير منهم ، وكفروا بدين
شرح
والمعنى فرضنا عليهم لزوم رهبانية ابتدعوها ، ولهذا قال : ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان اللّه . والوجه الثاني : أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الظاهر فتكون المسألة من باب الاشتغال ، وإليه نحا الفارسي والزمخشري وأبو البقاء وجماعة ، إلا أن هؤلاء يقولون إنه إعراب المعتزلة ، وذلك أنهم يقولون ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له ، فالرأفة والرحمة لما كانتا من فعل اللّه نسب خلقهما إليه ، والرهبانية لما لم تكن من فعل اللّه تعالى بل من فعل العبد يستقل بفعلها نسب ابتداعها إليه اه سمين . قوله : ( هي رفض النساء الخ ) عبارة البيضاوي : وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف من رهب كالخشيان من خشي ، وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان جمع راهب كراكب وركبان اه . وفي الخازن : وهي ترهبهم في الجبال والكهوف والغيران والديور فارين من الفتنة وحملوا أنفسهم المشاق في العبادة الزائدة وترك النكاح واستعمال الخشن في المطعم والمشرب والملبس مع التقلل من ذلك . روي عن ابن عباس قال : كانت ملوك بعد عيسى عليه السلامة بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم جماعة مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين اللّه ، فقيل لملوكهم : لو جمعتم هؤلاء الذي شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا : ما تريدون منا إلا ذلك دعونا نحن نكفيكم أنفسنا . فقالت طائفة منهم : ابنوا لنا أسطوانة ثم ارفعونا فيها ثم أعطونا شيئا ترفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم ، وطائفة قالت : دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا ، وقالت طائفة : ابنو لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول ولا نرد عليكم ولا نمر بكم ، وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم . قال : ففعلوا ذلك فمضى أولئك على منهاج عيسى وخلف قوم من بعدهم ممن غيروا الكتاب ، فجعل الرجل يقول تكون في مكان فلان نتعبد فيه كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم ، فذلك قوله عز وجل :وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوهايعني ابتدعها الصالحون ، فما رعوها حق رعايتها يعني الآخرينالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْفَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْيعني ( الذين ابتدعوها ابتغاء رضوان اللّه وكثير منهم فاسقون هم الذين جاؤوا من بعدهم ) ، فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يبق منهم إلا القليل انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فامنوا به وصدقوه ، فقال اللّه تعالى فهم :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ *الخ اه . قوله : ( واتخاذ الصوامع ) جمع صومعة وهي بناء معقود دقيق الرأس اه . قوله :ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْصفة لرهبانية ، ويجوز أن يكون مستأنفا اه سمين . قوله :إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِاستثناء منقطع ، ولذا فسره بقوله لكن على عادته ، وإلى هذا ذهب