الدخان بين السماء والأرض
يَغْشَى النَّاسَ
فقالوا
هذا عَذابٌ أَلِيمٌ
( 11 )
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا
شرح
وجمعه دواخن كعثان وعواثن على غير قياس ، ودخنت النار ارتفع دخانها وبابه دخل وخضع وأدخنت مثله ، ودخنت النار إذا فسدت بالقاء الحطب عليها حتى هاج دخانها ، ودخن الطبيخ إذا تدخنت القدر وبابها طرب اه .
وفي القاموس : والدخان كغراب وجبال ورمان الغبار والجمع أدخنة ودواخن ودواخين اه .
قوله : ( كهيئة الدخان بين السماء والأرض ) هذا هو المراد بالدخان هنا وهو أحد أقوال ثلاثة ذكرها المفسرون .
أحدها : أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا ، فلما اشتد عليهم الجهد جاءه أبو سفيان فقال : يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع اللّه أن يكشف عنهم ، وهذا قول ابن عباس ، ومقاتل ، ومجاهد ، واختيار الفراء ، والزجاج ، وهو قول ابن مسعود وكان ينكر أن يكون الدخان غير هذا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة في أبصارهم .
القول الثاني : ونقل عن علي وابن عباس أيضا وابن عمر ، وأبي هريرة ، وزيد بن علي ، والحسن : أنه دخان يظهر في العالم في آخر الزمان يكون علامة على قرب الساعة يملأ ما بين المشرق والمغرب ، وما بين السماء والأرض يمكث أربعين يوما وليلة ، أما المؤمن فيصيبه كالزكام ، وأما الكافر فيصير كالسكران فيملأ جوفه ويخرج من منخريه وأذنيه ودبره ، وتكون الأرض كلها كبيت أوقدت فيه النار .
القول الثالث : أنه الغبار الذي ظهر يوم فتح مكة من ازدحام الإسلام حتى حجب الأبصار عن رؤية السماء قاله عبد الرحمن الأعرج ، واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنهم قولهم :رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ[ الدخان : 12 ] ثم عللوا ذلك فقالوا : إنا مؤمنون أي : عريقون في وصف الإيمان ، فإذا حمل على القحط الذي وقع بمكة استقام ، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان فناشده اللّه والرحم ، وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به ، فلما أزالها اللّه عنهم رجعوا إلى شركهم . أما إذا حمل على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ، ولم يصح أيضا أن يقال : إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون اه ملخصا من الخطيب والقرطبي .
وقوله : مشى إليه أبو سفيان الخ أي : في مكة قبل الهجرة ، وقوله : فلما أزالها اللّه عنهم أي :
بإجابة دعائه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم ، فدعا له بالمطر فنزل واستمر عليهم سبعة أيام تضرروا من كثرته ، فجاءه أبو سفيان وطلب منه أن يدعو برفعه فدعا فارتفع . وهذه القصة نظيرة القصة التي وقعت له بالمدينة حيث استسقى لهم فدام عليهم سبعة أيام ثم طلبوا رفعه فدعا به فارتفع هكذا حققه ابن حجر في شرح البخاري ، ومثله الكرماني فتأمل .
قوله :يَغْشَى النَّاسَصفة ثانية للدخان ، والمراد بهم قريش وأمثالهم ممن أصابه الجدب