تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
شرح
الإسلام إذ كل مولود يولد عليها أي على العهد الذي أخذ عليه بقوله :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا : بَلى[ الأعراف : 172 ] فإن قلت : قد جاء في الخبر الصحيح أن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا . قلنا لعل معناه أنه قدر أو كتب في بطن أمه إنه لو عاش يصير كافرا بإضلال شياطين الإنس والجن فلا مخالفة ، وقيل : ما فطر عليه الإنسان من الشقاوة والسعادة ، والمعنى أن الشقي لا يصير سعيدا وبالعكس اه . وفي القرطبي ما نصه : المسألة الثالثة اختلف العلماء في معنى الفطرة في الكتاب والسنة على أقوال منها : الإسلام قاله أبو هريرة ، وابن شهاب وغيرهما قالوا : وهو المعروف عند عامة المسلمين من أهل التأويل ، وعلى هذا يكون المعنى أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه اللّه على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه ، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا يكونون في الجنة سواء كانوا أولاد مسلمين أو أولاد كفار ، وقال آخرون الفطرة هي البدأة التي ابتدأهم اللّه عليها أي : على ما فطر اللّه عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ . قالوا : والفطرة في كلام العرب البدأة والفاطر المبتدىء واحتجوا على ذلك بما روي عن كعب القرظي في قوله : فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قال من ابتدأ اللّه خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى ، ومن ابتدأ اللّه خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة فقد ابتدأ اللّه خلق إبليس على الضلالة وعمل السعادة مع الملائكة ، ثم رده إلى ما ابتدأ خلقه عليه وكان من للكافرين . وقالت فرقة : ليس المراد قوله تعالى :فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهاولا بقوله عليه الصلاة والسّلام : « كل مولود يولد على الفطرة » العموم وإنما المراد بالناس المؤمنون إذ لو فطر الجميع على الإسلام ما كفر أحد ، وقد ثبت أنه خلق أقواما للنار كما قوله تعالى :وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ[ الأعراف : 179 ] وأخرج الذرية من صلب آدم سودا وبيضا . وقال في الغلام الذي قتله الخضر : طبع يوم طبع كافرا . وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر : والفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه فكأنه قال : كل مولود يولد خلقه يعرف بها ربه . وقال ابن عطية : والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة ومهيأة لأن يميز بها مصنوعات اللّه ، ويستدل بها على ربه ، ويعرف شرائعه ويؤمن به ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه » . وقال شيخنا في عبارته : إن اللّه تعالى خلق قلوب بني آدم قابلة للحق كما خلق أسماعهم وأبصارهم قابلة للمسموعات والمرئيات ، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام وهم الدين الحق ، وقد دل على صحة هذا المعنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث : « كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء » يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليما من الآفات فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملا بريئا من العيوب ، لكن يتصرف فيه فتجدع أذنه ويوسم وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل ، وكذلك الإنسان وهو تشبيه واقع ووجهه واضح . قلت : وهذا القول مع القول الأول موافق له في المعنى ، وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمور الدنيا وتأكدت حجة اللّه عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السماوات