الزموها
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
لدينه أي لا تبدلوه بأن تشركوا
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
المستقيم
شرح
والأرض والشمس والقمر والبر والبحر واختلاف الليل والنهار ، فلما قويت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا ، وأنهم وإن ماتوا صغارا فهم في الجنة ، أعني جميع الأطفال لأن اللّه تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صور الذر أقروا له بالربوبية وهو قوله تعالى :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا[ الأعراف : 172 ] ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية وأنه لا إله غيره ، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو سعيدا على الكتاب الأول ، فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه القلم فينتقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك ، ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمّر حتى يجري عليه القلم فيصير سعيدا ، ومن مات من أولاد المؤمنين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة ، ومن مات من أولاد المشركين قبل أن يجري عليه القلم فلا يكونون مع آبائهم في النار لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينتقض الميثاق . ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل وهو جمع بين الأحاديث واللّه أعلم اه .
وفي القاموس : والجمعاء من البهائم التي لم يذهب من بدنها شيء اه .
قوله :الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهاصفة لفطرة اللّه مؤكدة لوجوب الامتثال للأمر ، فإن خلق اللّه الناس على فطرته التي هي عبارة عن قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه أو عن ملة الإسلام من موجبات لزومها والتمسك بها قطعا ، فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها وما اختاروا عليها دينا آخر ، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن ، ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام حكاية عن رب العزة :
« كل عبادي خلقت حنفاء فاغتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري » اه أبو السعود .
قوله : ( أي الزموها ) المراد بلزومها الجريان على موجبها وعدم الإخلال به باتباع الهوى وتسويل الشياطين اه أبو السعود .
قوله :لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِتعليل للأمر بلزوم فطرته تعالى أو لوجوب الامتثال له أي : لا صحة ولا استقامة لتبديله بالإخلال بموجبه وعدم ترتيب مقتضاه عليه باتباع الهوى وقبول وسوسة الشياطين ، وقيل : لا يقدر أحد أن يغيره فلا بد حينئذ من حمل التبديل على تبديل نفس الفطرة بإزالتها رأسا ، ووضع فطرة أخرى مكانها غير مصححة لقبول الحق والتمكن من إدراكه ضرورة أن التبديل بالمعنى الأول مقدر بل واقع قطعا ، فالتعليل حينئذ من جهة أن سلامة الفطرة متحققة في كل أحد فلا بد من لزومها بترتيب مقتضاها عليها وعدم الإخلال به بما ذكر من اتباع الهوى وخطوات الشياطين اه أبو السعود .
قوله :لِخَلْقِ اللَّهِأي : لما جبلكم وطبعكم عليه من قبول الحق اه شيخنا .
قوله : ( المستقيم ) تفسير للدين القيم وقوله : ( توحيد اللّه ) تفسير لاسم الإشارة . قوله : ( حال من فاعل أقم ) أي : وما بينهما اعتراض . وقوله : ( وما أريد به ) وذلك لأن الخطاب في أقم للكل والإفراد إنما هو لأن الرسول إمام الأمة فأمره مستتبع لأمرهم اه أبو السعود .