مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
من الحور والولدان وغيرهما
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ
شرح
فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُفيموتون في هذه النفخة إلا من تناوله الاستثناء في قوله :إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ .ذكر ما بين النفختين من المدة . يقال : إن ما بين النفختين أربعون سنة تبقى الأرض على حالها مستريحة بعد ما مرّ بها من الأهوال العظام والزلازل وتمطر سماؤها وتجري مياهها وتطعم أشجارها ولا حي على ظهرها من سائر المخلوقات .
ذكر المطر الذي تنبت منه الأجساد . قالوا : فإذا مضى من النفختين أربعون عاما أمطر اللّه سبحانه وتعالى من تحت العرش ماء خاثرا كالطلاء وكالمني من الرجال . يقال له ماء الحيوان فتنبت أجسامهم كما ينبت البقل . قال كعب : ويأمر اللّه الأرض والبحار والطير والسباع برد ما أكلت من أجساد بني آدم حتى الشعرة الواحدة فتتكلم أجسامهم . قالوا : وتأكل الأرض ابن آدم إلا عجب الذنب فإنه يبقى مثل عين الجرادة لا يدركه الطرف فينشىء اللّه الخلق من ذلك العجب ، وتركب عليه أجزاؤه كالهباء في شعاع الشمس ، فإذا تم وتكامل نفخ فيه الروح ثم انشق عنه القبر ثم قام خلقا سويا .
ذكر النفخة الثالثة وهي نفخة القيام . وذلك قوله تعالى :ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَوقوله تعالى :إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ[ يس : 53 ] ويجمع اللّه أرواح الخلائق في الصور ، ثم يأمر اللّه الملك أن ينفخ فيه قائلا : أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة والأعضاء المتمزقة والشعور المنتثرة إن اللّه المصور الخالق يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء فيجتمعن ، ثم ينادي قوموا للعرض على الجبار فيقومون ، وذلك قوله تعالى :يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً[ المعارج : 43 ] وقال تعالى :يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ[ القمر : 7 ] وقال عزّ من قائل :يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ[ ق : 44 ] فإذا خرجوا من قبورهم تتلقى المؤمنون بمراكب من رحمة اللّه كما وعد سبحانه وتعالى بقوله :يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً[ مريم : 85 ] ، والفاسقون يمشون على أقدامهم ويساقون سوقا وهو قوله تعالى :وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً[ مريم : 86 ] اه .
قوله : ( وغيرهما ) كجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، فإنهم لا يموتون بالنفخة الأولى وإنما يموتون بين النفختين اه خطيب .
وفي القرطبي : واختلف في المستثنى من هم ؟ فقيل : هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول العرش روي مرفوعا من حديث أبي هريرة فيما ذكر القشيري ، ومن حديث عبد اللّه بن عمر فيما ذكر الثعلبي ، وقيل : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السّلام . وروي من حديث أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تلا :وَنُفِخَ فِي الصُّورِالآية فقالوا : يا نبي اللّه من هم الذين استثنى اللّه تعالى ؟ قال : « هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، فيقول اللّه لملك الموت : يا ملك الموت من بقي من خلقي وهو أعلم فيقول : يا رب بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت ، فيقول اللّه تعالى :
خذ نفس إسرافيل وميكائيل فيخران ميتين كالطودين العظيمين ، فيقول : مت يا ملك الموت فيموت ،